أنت هنا

قراءة كتاب حفيد الـ (بي بي سي)

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
حفيد الـ (بي بي سي)

حفيد الـ (بي بي سي)

تتحدث رواية "حفيد البي بي سي" للروائية العراقية ميسلون هادي؛ عن صداقة النساء مع الراديو من خلال شهرزاد الجدة التي ولدت في الناصرية وتزوجت ممتاز قارئ المقام من كركوك ثم خلفا ست بنات وثلاثة أولاد توأم وبعد ذلك إثنين وعشرين حفيداً بينهم بطل الرواية عبد الحليم.

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 5
شهرزاد التي رأت
 
من صابون الهندية إلى صابون اللوكس الذي تستعمله تسعٌ من كل عشرٍ من نجوم السينما عاشت شهرزاد عصور الصوابين كلها·· وارتدت فساتين الكريب ستان وملحقاتها من الصاية والكيش والعباءة والملوي والاسكاربيني المشترى من باتا·· وتزوج أولادها وبناتها وغادروا إلى بيوتهم في الكرادة والكرنتينة وحي الإسكان، ما عدا المنغولي جرار الخيط الذي بلغ منه العمر خمسين عاماً فلم يمرض ولم يمت·· بقي معها في ضربة بوش الأولى والثانية، وصب لها الماء الشحيح عندما كانت تسقي النباتات بالإستكان وتأكل مع بلابلها من ملعقة واحدة·· وأزجى وقت الحرب بصبغ جميع المناضد والكراسي المشخّطة بالبوية البيضاء·
 
جاء لها البستاني عاتي الهدهد ببضعة بلابل من بساتين الفحامة القريبة من حي أور برصافة بغداد، فكانت سلوتها في الحرب التي توقفت فيها المراوح عن الدوران مما جعل بلابلها تنجو من الموت بريش المراوح أو بجرائم أحفادها البشعة مع القطط والكلاب والبلابل· لم يكن لديهم مولّد كهرباء، فكان جرار الخيط يدفع ريشات المروحة بعصا الممسحة لتحريكها وتضحك شهرزاد من أعماله الطفولية مع مروحة القادسية التي اكتسبت اسمها من الحرب وقيل إنها إذا ما دارت فلن تتوقف عن الدوران·
 
وقبل يومين من اليوم الذي أعلنه بوش موعداً أخيراً لضرب العراق، وبدلاً من ركوب الباص رقم (4) المتوجه إلى ساحة النصر، قررت شهرزاد أن تركب الباص رقم (84) المنطلق من قناة الجيش إلى باب المعظم، ثم الباص رقم (5) المنطلق من باب المعظم إلى سبع أبكار·· أرادت أن تتجول في طريق غير الطريق الذي اعتادت عليه كل أسبوع·· وكان طريقاً جميلاً يحاذي نهر دجلة وتحيط به الشواطئ والمشاتل وتملؤه البساتين· تذكرت ليالي الصيف القمرية عندما كان زوجها ممتاز يغني المقام على ظهر زورق من الزوارق التي تنطلق عادة من الكريعات حتى جسر الصرافية ومعها يردد شباب الجراديغ المنتشرة على ضفاف دجلة ما يحفظونه من بستات يستلمونها من قراء تلك المقامات ويرددونها مهللين·· دشداشة صبغ النيل كومي بطركها·· هلو·· والكذلة ست طيات ماندل فركها·· هلو·
 
تستطيع شهرزاد استرجاع لحظات السعادة التي شعرتْ بها يومئذ عندما توقفت لشراء بعض الشتلات والسنادين وشربتْ قدحاً من مزاج الزنجبيل، وكأن الحرب بعيدة جداً، بل لا يمكن لها أن تقع أبداً· لكن الناس الذي اعتادوا التهيّؤ للحروب كانوا يحفرون الآبار في حدائقهم ويشترون كل ما تقع عليه أياديهم من مواد غذائية استعداداً للحرب القادمة· شعرت شهرزاد بالخطأ الفادح فجأة لأنها لم تحفر بئراً في حديقتها، وبأنها ستموت عطشاً مع ابنها جرار الخيط إذا حدثت الحرب·· خرجتْ من البيت عدة مرات لشراء قناني الماء وأوصت شكرية وفتحية ونورية بشراء أوعية إضافية لحفظ المياه وأكياساً كبيرة من النايلون السميك، ملأتها بالماء وكومتها تحت الدرج· وعندما وصل أفراد عائلتها إلى بيوت أجدادهم في كركوك وذي قار، سار ذلك اليوم، وكان التاسع عشر من آذار من عام 2003، بشكل طبيعي، وكانت الأحاديث تدور بين الناس وفي البي بي سي حول الموعد الأخير الذي أعطاه بوش للحرب في خطابه·
 
استهلكت تلك الليلة خمسين إستكاناً من الشاي واليانسون وورد لسان الثور وثلاث علب من التتن الملفوف وخمسين محطة إذاعية دون أن تستسيقظ فجراً على أصوات الانفجارات وهي تتعالى من مناطق مختلفة، وكيف تستيقظ وهي لم تنم أصلاً؟·· ولن تنام الليالي التي بعدها أيضاً· وأخذت بين ساعة وأخرى تصعد على سطح البيت المغطى بالهباء الأسود، فترى الأفق وهو يشتعل بالحمم التي تقذفها الطائرات والصواريخ على بغداد فيصير منظرها المشتعل وكأنه الجحيم·· أخذوا المال والذهب في هربهم من الحرب وتركوا الورد والزرع في الحديقة لكي يجف ويموت·· فلازمت شهرزاد حديقتها كحدوة حصان وحصّنتها بسور سليمان، وصعدت الغيرة في رأسها وقررت أن تحمل المسحاة وتفلح في الأرض بينما ابنها المنغولي جرار الخيط يغني، أثناء صباغته الكراسي القديمة بلون أبيض، عونك ياتاع إي والله ذولة احنة ثباع إي والله·
 
كان الوقت ربيعاً، فارتفع نقيق الضفادع في السواقي، وجاء السنونو مع الطيور المهاجرة ليعشش قريباً من زاوية مطبخها، وهناك علّم ابنه الطيران بين العش وسعفة البرحية بينما الأرض تثور وتهتز من وقع القنابل والصواريخ، والفضاء يسود ويتصخم من دخان الإطارات المشتعلة· طلبت من البستاني عاتي الهدهد أن يصوغ لها الياس على شكل صاروخ معد للانطلاق، ولكن عاتي الهدهد، الذي صب مهجته في نحت الياس، لم يخرج إلا بمجسم محرج الشكل ضحك له كل من رآه، فطلبت شهرزاد قطعه من الأعلى، مما جعل شكشوكة تقول لنبيهة وهي تؤشر أسفل بطنها ها أنت قد رأيته أخيراً قبل وبعد الختان·

الصفحات