"اكتشاف زقورة"؛ في هذا العمل للروائي العراقي فاتح عبد السلام، يتعشق السردي بالشعري، ويرتقي النص عبر فيض الشحنة المخضّبة بصوت تاريخ العراق القديم.من بقايا الحروب يأتي بطل الرواية ليبدأ حياته من حيث انتهى جسداً متفسّخاً على سرير في غرفة منسيّة، عبر رحلة مضنية
أنت هنا
قراءة كتاب اكتشاف زقورة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
حيَن تنفّسَ أوّلُ فجرٍ في السلالة السنحاريبية ، طلعت شمس هزيلة ذات شعاع ضعيف ، منكسر ، متهالك ، يشبه أذرع أخطبوط بحــريّ، لا حــرارة أو كلف فيها· كانت كــرة خامدة متشـظّية نبتـت عليها خيوط لا تكاد تظهر حتى تختفي· تقول بعض روايــات التأريخ أنّ السرجونيين إمتصوا من الشمس وجهها وعدّنوا المعادنَ في باطن الأرض، وأنهم خزّنوا تحت الماء شعاع الشمس ، وأقاموا بحيرة ذات حصى زمردي جعلوها تـنبع من شجرة وتصب في جبــل ، تستنزف من الشمس حرارتها ووهجها حتى لا يقــوى الأعداء على تسخيرها للإنتقام منهم حين تتفكك ممالكهم· ولم تكن مملكة (خرسباد) سوى جزءً ظلالياً للنوايا السرجوآشوريّة التي إندثرت تحت سنابك السنحاريـبـيـيـن الذين عَلّقوا رقاهم في رقاب نمور محبوسة في مجاهيل الكهنة الأوائل وأودعوا فيها وصاياهم للأجيال في شأن الحروب التي ستقع في بلادهم بعد آلاف السنين· ولم تؤكد مجامع اللغات القديمة أو المعاصرة صلة الســـن حاريـبـيـة بسن الحروب· ممّا يجعل الشك قائماً، والحجة ضعيفة في نسب الصفة الى الموصوف·
ثمّ بث الكومبيوتر صوراً ناطقة لأحداث التقطهاحلم الرجل في ليلته الأخيرة·
الخوف والشك ، عنقودان ثقيلان يتدليان من عينيه ، غير إنّه مازال يمتطي مهرةَ أمنيةٍ يحلم أنْ تُخرجه من وادٍ يتجعّد بالسواد واليباس والفحيح إلى بستانٍ يرتشفُ من شفة نهر·
إنّه لم يـزل مجدولاً بتلك الساعة البعيدة التي ركد فيها الرماد في منفضة الجسد والبارود·· وهذه بقية آماله المحنّطة تنير دربه وتوسع من ضيق صدره وضيق غرفته التي يغادرها كلَّ صباح باحثاً عن عمل منذ سنوات·
المدينة مكتظّة بالعمل ، والاعلانات تنوّع الخيارات أمام الإنسان ، والبلدية سخية على الموظفين، ولكنّهُ لا يجد عملاً·
كانت آماله أكبر من أنْ يدجنها الاحباط المتكرر· لذلك ظلَّ عنقه متشبثاً بجسده النحيل في بقاع لم يستطع دود الأرض المستوطن فيها منذ قرون أن يكمل رحلة عمره فيها· كان يشعر في بعــض الحروب التي خاضها أنَّ النيران عنقود مفروط مجمّد في السماء ، وحين ينظر الى الأرض كان يرى أشجاراً خرافية من النيران تتخلل الغيوم وتنزف الى أعلى·
كانت المساءات تنتحر في وعاء من ريح زمنيّ، حين تعصف فيه تقلّص مساحة النهارات المشمسة المنسفحة في خياله· وصار يجلس في المقهى كلَّ يوم سبع عشرة ساعة أو عشرين ساعة أحياناً، لا يستطيع مغادرتها آملاً كل دقيقة، أنْ يدخل عليه صديق يحمل عنه أثقال ثمن قدح الشاي كي يغادر في أمان·
جاءه صاحب المقهى ذات يوم وطلب منه المغادرة، لأنَّ الوقت يقترب من الفجر ويريد إغلاق المقهى لينام·
فأجابه الرجل : أما بالإمكان البقاء ساعة أخرى ؟
إستغرب صاحب المقهى : منذ عشرين ساعة على جلسة واحدة·· ما بك؟!
ردَّ الرجل : أنتظر أحداً·
- إنتظره غداً·
- أريدُ أن أصل اليوم بالغد لعلَّي ألقاه·
- لكنّك منذ خمس سنين تزاول الإنتظار في المقهى··
- كانوا يأتون في السابق··· لي أصدقاء كثيرون··


