"اكتشاف زقورة"؛ في هذا العمل للروائي العراقي فاتح عبد السلام، يتعشق السردي بالشعري، ويرتقي النص عبر فيض الشحنة المخضّبة بصوت تاريخ العراق القديم.من بقايا الحروب يأتي بطل الرواية ليبدأ حياته من حيث انتهى جسداً متفسّخاً على سرير في غرفة منسيّة، عبر رحلة مضنية
أنت هنا
قراءة كتاب اكتشاف زقورة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
الباشطابيون يخزّنون البرغل والباميا اليابسة والسمن الحر والكليجة والبيبون والسكنجبيل ، والجنود ينزلون علمهم الموسليني من فوق القلعة يحفرون صوت الجندي مبحوحاً عليه ثمَّ يرفعونه ثانيةً ، في حين تمر تحته العربات الآشورية المسلّحة بالسيوف العريضة والرماح الشائكة ، والأسود والضباع والافاعي يقودها مروّضِون مَهَرَة من منحدرات (خرسباد) الشهيرة بمزارع الأسود الى ضفاف دجلة· وهناك المعماريون والفسيفسائيون ذوو الأنوف المدببة وحَفَرَةُ السراديب الظليّة الباردة ، والذين عَبّأوا صهيل الجياد في حناجر الغربان، وثمّة شرائح نبيلة من الأوُريين والأَكديين والشرقاطيين والوركائيين والبابليين والكوفيين ، وشعلات يصطرع فيها لون النار ولون الماء يحرسها جنود الألهين (ننار) و (أوتو) ومعهم دواوين إزالة البغضاء المنشورة في رقاقات شرائع (اورنمو) و (ايشنونا) و(لبت عشتار) ، وكهنة (الاينتوم) الملكيون أصحاب إمتيازات الرِفعة وطهارة النسل المزهوون في محفّةِ كهنة (الناديتوم) الممتازين الأقل شأناً، وحافظو نطف الصفوة النقيّة، والعشتاريون، وحَمَلَةُ التيجان والصولجانات الممهورة بنذور المعابد، والمتأمّلون في محاريب الروح ، والخيول التي تبوس خطواتها··
أمواجٌ تتسلق ظهور أمواج ، رؤوس في خوذ وعقالات وغتر وقلنسوات وعرقجينات وسدائر وطرابيش وصلعات وتعرجات ومسطحات وفراغات·· رؤوس في رؤوس····
يمرّون في صمت الخاشعين ودمع التائبين ، يكاد الجندي يرفع أصابعه يحييهم، يكاد يرفع إصبعاً واحداً ، لايكاد يرفع شيئاً· يجعلهم تحت مساقط نظراته الخيزرانية الراشقة· يختفون في منحنيات البقع الأرضية المتداخلة ، لاشيء يظهر كاملاً · يلاحقهم برشقةٍ من بصائر روحه الفــائضة غيــماً يظللهم ومساراتٍ تدل أحذيتهم ذات المسامير الزاعقة·
يتَتبَعهم حُجَّابُ الوظائفِ المدنيّة الكبيرة ، في حين ينشر سَدَنَةُ البنوك وحَجَبَةُ الشركات العقارية مودتهم على طلبات إنتدابه للعمل السامي معهم برواتب مغرية محصّنة ضدّ الضرائب والقطوع الغامضة ورسوم الطوابع وإشتراكات المهرجانات·
ألكَ أمنيات سريّة فنلبها ؟ ألكَ مباهج تبحث عنها فنبذلها تحت قدميك؟ أصوات تتعلق أمامه مثل كمثرى الجبال تدنو قطوفها إلى فمه، لكنّه يعافها·
يفتحونَ بين يديه رقيمات المسلاّت وأضابير المتحزّبين· ويفكوّن الرموز العصية ويتوقعون الكلمات التي انثلمت بمعاول الحفّارين غير المَهَرَةِ أو السّراق المستعجلين·· يرى الشمس محفوفة بثمار فائضة عن حاجات الاماني التي احترقت في عشقها المسبي ذات زمن· مسلاّت مخرّبة ، يستكملون فيها الشرائع السومرية والبابلية والآشورية·· الناقصة والاقوال الثمينة وانتصارات الإله (مردوخ) شمالاً وجنوباً لتكمل سعادته· يدعونه للصلاة ، يهتكون له قبائل الأوثان والتجاعيد الزندقية والسلالات الكافرة بالخبز والهواء· يزيلون بينه وبين (انليل) الحجُبُ والستائر·· ويطلقون له حبال الحرية ليلتقط من فم انليل ما يتنفسه من مصائر وإرادات ومكائد وانكسارات وعواصف وأقوات·· يتركون له ارادة التصرف بمعطيات المسلاّت الشمسّية والنركالية والنمرودية المصطفاة في ضوء إرادة الله العليّة·
يعفونه من حضور مآتم الآلهة التي تنتحر أو تستهلك شعلاتها أو تبيع كهنتها وتزهد في عروشها· ليس معنياً بهموم فائضة عن مكاييل الحزن القديمة· عبيد وإماء وغرباء يطهرون غابات الليل من أدغال مواضيها·· ويعدون متكأً لمتعَب ٍ لا يعترف بتعبه أو ذنوبه أو ماضيه· والحسناوات يوشّين نهــودهن بكلام الغزل وزركشات الورد· مكاتيب الحسناوات غلال مثقلة بالوجد تُدَرُ في سيول بريدية الى مقرات الجيوش لتركب طريقاً اليه حيث يختفي عنوانه العلني في أحراش الكلمات والشفرات والأوفاق والأحاجي·
مَنْ يستطيع الوصول الى عتبة الأمكنة التي يكون فيها؟ مقرات الجيش صارت جنائن وبساتين ، تفوح بغيمات مشبعة بالرحيق من زخّات الورود البريدية·
ماذا يكتب أزميل اللّيل على ظهر هذا الانسان؟ أهي نقوش أتابكية أم حفريات مستشرقين أم حروف مسمارية ترمز الى أصوات الثيران المجنّحة المتعضّلة في حلاّن الزمن وعروق الفرش الموصليّ· أيّها الحفَّارون المهرة لا تستفزوا ثوراً خارجاً الى حقل الغلّة يستعرض خطواته النموذجية على مدى الكتفين المحسورين عن تشابك عظمتين ضامرتين وخيط فقري·
مَنْ يستطيع أنْ يروّض ثوراً نصفه أسد ونصفه حلم، يقص جناحيه فيتحول في يديه مــن براري الغزاة الكُماة الى حظائر الداجنين· لا أحد يستطيع تعمية نفسه عن رؤية خرائب الليل والسوط ولفح العواء في صليب ظهره· إنّهم يرددون مع أدعية الغَسَقَين هديل (لبت عشتار)؛ اذا أجَّر رجلٌ ثوراً وأضرّ لحمة الظهر، أي المنطقة التي يستند عليها النير ، عليه أنْ يدفع ثلث سعره غرامة· المادة 35 أفضل انسانية أعزّ حيوانيةً ، اذا أجّر رجل ثوراً وأتلف عينه عليه أنْ يدفع ربع سعره· المادة 36 إذا أجّر رجل ثوراً وكسر قرنه عليه أنْ يدفع ربع سعره· المادة 37 إذا أجّر رجل ثوراً واتلف ذيله عليه أنْ يدفع ربــع سعره· الحمورابيون أكثر سخاءً في حفظ الحقوق·


