يقدم نصار في هذه المجموعة الجديدة، وبلغة قصصية رشيقة جميلة الصياغة، نماذج فنية في إطار بناء سردي متماسك، تأسر القارىء منذ استهلالها وتطرح مضامين عصرية وتدخل أحياناً تخوماً غير مطروقة من قبل كي تبرز بايقاع مأساوي مؤثر تناقضات الحياة ومفاجآتها من خلال عذابات
أنت هنا
قراءة كتاب امرأة في حفل توقيع
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
يعمد إياد نصار إلى التنويع في أساليب القص، فهو وريث تراث محلي وإنساني شاسع، ويبدو في أدائه القصصي مستفيدا من بنية الحكاية الشعبية لتوغله في الأجواء الشعبية والريفية ومعرفته الواسعة بمقومات هذه البيئة وموجّهات قيمها وأحلامها وتقاليدها، وكما نجد في مرجعنا الحكائي الأقدم (الف ليلة وليلة) جميع أساليب القص التي كتب عنها منظرو الفن القصصي في عصرنا، نجد لدى إياد نصار تنوعاً كبيراً في شخصيات ورواة قصصه، ونتعرف إلى الشخصيات الناجزة التي حققت ثباتها واكتملت وظهرت في النص تعبيراً عن موقف أو فكرة، كما نجد الشخصية المتطورة التي تنمو وتتغير مواقفها خلال الحدث. ومثلما يثري تنوع شخصياته فعالية الحكي، يمتعنا تنوع الأحداث والأمكنة، فمن قرية في الريف ومدينة عربية الى تجربة مجند في قوات دولية في (هاييتي) الى بيئة بدوية صحراوية في بلاد مغاربية كما في قصة التيه، التي تتميز عن قصص المجموعة كونها تنحو، أكثر من قصصه الأخرى، إلى الرمز، فثيمة المتاهة والخطر الذي يحيق بالرحل المسافرين، والتوجس ممن يقابلونهم في رحلة التيه منح هذه القصة بعداً كونياً يضعنا أمام معضلة الانسان والوجود والموت ومخاطر الحياة في عالم يتربص بالفرد أينما ولى وجهه، وهي من قصص المجموعة البارزة.
ثمة نبرة سخرية مريرة خفية مرة، وظاهرة مرات أخرى، في معظم قصص إياد. وهو إذ يستخدم التورية في بعض قصصه، يعمد الى المفارقة الصارخة في بعضها الآخر، وينجح في كونه راصداً يقظا للمشكلات والوقائع الاجتماعية التي تضج بها مجتمعاتنا العربية.
لغة إياد نصار توصيلية تتسم بالبساطة والوضوح. ولأنها تعالج المشاعر الإنسانية وكشوفات العلاقات العاطفية البكر ومواجهة المصائر الفاجعة والأقدار المحتومة، كان لابد لها أن تكون ميسرة قريبة إلى المحكي اليومي وبعيدة عن الرمز والايحاء يساندها البناء الخطي في بعض القصص فليس في قصص إياد تحطيم للشكل أو لجوء للتغريب والأسطرة إلا في مواقع نادرة، وتنبع معظم قصصه من بئر الذاكرة واستحضار التجربة والذكرى، أما المخيلة فإنها تنسحب لصالح التذكر وتظهر عندما يمازج القاص بين الوقائع والأفكار والرؤى والأحلام، فتصبح القصة لديه مضموناً يعبر عن جوهر القص بشكله غير المتحذلق البعيد عن الخطابية، وهذا ما يتطلبه الموضوع الأساس الذي ارتكزت عليه قصص إياد وهو ثيمة الوحدة الإنسانية التي تعاني منها النفوس المستوحشة المنفردة في مجتمعات لا تأبه بالخصائص الفردية، ولا تمنح الفرد حقه في الاختلاف، بل تضعه ضمن قوالب معدة سلفاً، وتفرض عليه القبول بشروط هذا القالب.


