لم تكن لدي النية في الاصل لكتابة رواية، تعكس صورة الواقع في بغداد وبعض مدن أو غالبية مدن العراق، قبل العودة إلى يوميات اعتدت كتابتها، لغرض الإفادة من المكتوب فيها كشواهد إثبات تدعم وجهة نظري التي اروم وضعها في كتاب جديد أخذ عنوان (حصاد العاصفة ـ ثقافة التضا
أنت هنا
قراءة كتاب جراح الغابة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
إرتعب وإن لم يميز الأسباب. وقبل أن يفيق من نوبة رعبه نَفذَ شخص ملثم من الفتحة التي أحدثها الكسر. طويل القامة، كأنه محارب من الفايكنغ، يحمل بندقية كلاشنكوف بأخمص يطوى بدلا من السيف المعهود، يوجه فوهتها إلى الحضور. يدخل آخر بالتوقيت نفسه من الباب التي فتحت من أول ضربة. متوسط القامة، نحيف مثل عدائي المسافات الطويلة، يحمل سيفا بدلا من الشعلة الاولمبية، يلوح به مثلما يفعل المسلمون الأوائل في معاركهم مع الكفار، يخلع لثاما كان يغطي وجهه المحمر بلون الدماء التي تدفقت إليه من فرط الشعور بالغبطة. عيناه تلتمعان ببريق غريب، مثل عيون قطة محبوسة في قفص حديد محكم الأقفال، وقد تجسدت في داخلها كل مثيرات الغل والكراهية. يتبعه إثنان يحملان مسدسات وذخيرة محزمة بها خصورهم، يخلعان اللثام بعد أن شرع هو بخلعه في أول خطوة أجتاز بها الباب. أحدهما ممتلئ، أسمر داكن البشرة، أجعد الشعر، سوداني الأصل على الأغلب، والآخر شاب أبيض بسمرة خفيفة، لم يكتمل نمو جسمه، ولا شعر لحيته التي ظهرت على ذقنه شعيرات متفرقة، لايزيد عمره بأي حال من الأحوال عن السادسة عشرة عاما. هيئته العامة توحي أنه عراقي من بغداد.
تفرق الثلاثة على الزوايا الحاكمة في الصالة والمطبخ فور دخولهم، بإشارات من أميرهم الرابع حامل السيف، الواقف بمواجهة الأب الدكتور المذهول، وهو يحاول النهوض من مكانه كرد فعل غريزي أولي، فيحصل من السياف على أمر فوري حازم بالجلوس في نفس المكان، وهو ينتقل بعينه من مكان إلى آخر في البيت، بتركيز كمن يعرف خباياه، أو يتوقع رد فعل غير محسوب. تقدم خطوة إلى الأمام (كُفارْ، زنادقة، عملاء، جاء يومكم) يزداد صوته حدة، ورخامة مع كل كلمة تقال، يتصور نفسه عند نطقها قائدا للميمنة في جيش خالد بن الوليد في صدر الاسلام، أو الميسرة مع طارق بن زياد في عبوره البحر، متجها صوب الأرض الاندلسية.
المخزن بدأ يصغر ويتقلص ويضيق، وتقترب الجدران منه حتى يكاد يطبق بحيطانه وبما فيه من مواد، أو إن الجسم الناصح تضخم، حتى لم يعد يسعه المكان، والرأس تورم من الدم الذي تدفق إليه فجأة من شدة الخوف، وسرعة ضربات القلب التي تضاعفت عدة مرات.
أهكذا هو الموت؟.
إحساس بالضيق من المكان، عتمة شديدة، عرق يتصبب، وحشة عميقة، طيش يرفع الجسم في الهواء. لم يفكر من قبل بشكل الموت الذي يحس بدنوه الآن، وبشل القدرة على التفكير، والخدر الذي يسري في الجسم بادئا بالرأس متجها إلى أخمص القدمين.
الساقان الطويلتان غير قادرتين على حمل هذا الجسم الواقف قريبا من الباب. غصة في الحلق لا تخرج خوفا من افتضاح الأمر. دوار وألم وعدم قدرة على الثبات تقربه من الموت المرعب. تمنعه من أن يمسك الفأس المركونة على الرف القريب، والهجوم بها على الارهابين المنتشرين في الصالة كما تمنى في هذه اللحظة الحرجة.


