الحمد لله، الواحد الديّان، الكريم المنّان، خلق الإنسان، علّمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد؛ كان خُلُقه القرآن، فأرشد المسلمين إلى سبيل الإسلام والإيمان والإحسان، وعلى آله وأصحابه وأتباعه؛ حملة الراية، وأتباع الرسالة. ..... وبعد؛
أنت هنا
قراءة كتاب عقد الجمان في أحكام القرآن
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

عقد الجمان في أحكام القرآن
كان أبوه رئيساً وزيراً عالماً أديباً شاعراً ماهراً؛ توفي أبوه وهو في بيت المقدس، فرجع إلى الأندلس، وذلك في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وولي قضاء اشبيلية؛ واشتهر اسمه، وكان رئيساً محتشماً وافر الأموال بحيث أنشأ على اشبيلية سوراً من ماله، فحمدت سياسته، وكان ذا شدة وسطوة فعزل، فأقبل على التأليف ونشر العلم، وبلغ رتبة الاجتهاد، وكان فصيحاً بليغاً خطيباً، وأدخل الأندلس إسناداً عالياً، وعلماً جماً؛ وحدث عنه كثير من طلاب العلم، وتخرّج به أئمة، وكان عذب المنطق، كريم الشمائل، كامل السؤدد، واتسع حاله، ومدحته الشعراء، وذكره الأدباء، فبالغوا في تقريظه، وكان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، مقدماً في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، نافذاً في جميعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود، وهو علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، وأنتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله تعالى به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومدّ عليها منه الظل الوارف، وكساها رونق نبله، وتوّلى الولايات الشريفة، وتبوأ المراتب المنيفة، وبقي متفرداً، وللطلب متجرداً .
كان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، متقدماً في المعارف كلها، متكلماً في أنواعها، نافذاً في أحكامها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب فيها، وصنف في فنون العلم الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ؛ ومن مصنفاته كتاب عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي، وفسّر القرآن المجيد فأتى بكل بديع، وله كتاب كوكب الحديث والمسلسلات، وكتاب أمهات المسائل، وكتاب نزهة الناظر، وكتاب ستر العورة، والمحصول في الأصول، وحسم الداء في الكلام على حديث السوداء، وكتاب في غوامض النحويين، وكتاب ترتيب الرحلة للترغيب في الملة، والفقه الأصغر، وأشياء سوى ذلك، مات بفاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
أما كتابه أحكام القرآن فكتاب قيّم؛ ذكر في أوله طريقته فيه؛ فقال في مقدمته: (ولمّا منّ الله سبحانه بالاستبصار في استثارة العلوم من الكتاب العزيز، حسب ما مهّدته لنا المشيخة الذين لقينا، نظرناها من ذلك المطرح، ثمّ عرضناها على ما جبله العلماء، وسبرناها بعيار الأشياخ؛ فما اتفق عليه النظر أثبتناه، وما تعارض شجرناه، وشحذناه حتى خلص نضاره، وورق عراره، فنذكر الآية، ثم نعطف على كلماتها، بل حروفها، فنأخذ بمعرفتها مفردة، ثمّ نركبها على أخواتها مضافة؛ ونحفظ في ذلك قسم البلاغة، ونتحرّز عن المناقضة في الأحكام والمعارضة، ونحتاط على جانب اللغة، ونقابلها في القرآن بما جاء في السنة الصحيحة، ونتحرّى وجه الجميع؛ إذ الكلّ من عند الله، وإنما بُعث محمد ( ليبين للناس ما نزّل إليهم، ونعقّب على ذلك بتوابع لا بدّ من تحصيل العلم بها منها؛ حرصاً على أن يأتي القول مستقلاً بنفسه، إلا أن يخرج عن الباب، فنحيل عليه في موضوعه مجانبين للتقصير والإكثار، وبمشيئة الله نستهدي، فمن يهدي الله فهو المهتدي؛ لا ربّ غيره) انتهى.

