أنت هنا

قراءة كتاب أنصت إلى ذاتك

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أنصت إلى ذاتك

أنصت إلى ذاتك

هذا الكتاب "أنصت إلى ذاتك" الذي ترجمته إلى العربية الكاتبة العُمانية أثمار عباس، هو عن معنى الحياة، لا أكثر ولا أقل عن لماذا نتوق لمعرفة معنى حياتنا؟

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 6

"الحسيّة، الجوّانية، الروحانية!"

بالنظر إلى أن العملية هي عبارة عن "التأثير، التغيير، التفاعل" فهي حسب رأي سورين جزء من الإنسان وقد تأتي أو تحصل من تلقاء نفسها أي قد يشعر بها الإنسان وحده تماماً على سبيل المثال إن لقاء الطفل مع العالم يُثير لديه الدهشة والعجب مما يُوقظ تساؤلات كثيرة داخل نفسه تلفت انتباهه إلى أمور أعمق حول الذات الإنسانية وهذا ما يجعله يتحرك ليدرس ويتحقق أكثر ويكشف حقائق أعمق عن الذات مما يدفعه إلى أن يتصرف ويتعامل بناء على أساسها مما يؤدي إلى منحه تجربة أكبر ويدفعه إلى ابتكار تساؤلات أخرى جديدة تساهم في تقدم خطواته إلى الأمام وتدفعه لابتكار أسئلة أخرى تُزيد في فهمه لذاته وتدفع به نحو الداخل أكثر وأكثر، لإدراك المعنى الحقيقي للذات والحياة.
كذلك اكتشف سورين، بأن هناك ثلاثة أمور قد تُسبب بعض الصدمات للمرء فيقع فيها في عمر مبكر من حياته مما تسبب في توقف وعرقلة سير "العملية" لديه، إن أول تلك العقبات هي التربية، لقد رأى سورين أن التربية القاسية وحياة الطفولة الصعبة قد تُشكل جزءاً من تلك العقبات فتعيق طريق تطور المرء وتمنع وصوله إلى الجوّانية وقد لاحظ سورين ذلك لدى الآباء الصارمين والقساة عندما يفرضون عادات معينة ومفاهيم متشددة على أبنائهم تتسبب في تشويه نفسياتهم الغضة وتقف حائلاً في طريق فهمهم وتقدمهم فلا يعود الابن يرى الأشياء بوضوح أو على حقيقتها مما يسبب عدم فهمه لداخله، أما الأمر الثاني فهو الأعراف والتقاليد، لقد وجد سورين أن الأعراف والتقاليد المتعصبة هي واحدة من تلك العقبات التي تُقيد المرء وتفرض عليه تعاليم صارمة مما تُحجر عقله وتحشوه بمفاهيم العار والتحريم وتحول كل شيء عنده إلى قيود للعقاب وتدمير الذات الإنسانية تحت طائلة التخويف والتهديد وغيره، لقد رأى سورين أن الأشخاص ذوي المعتقدات البائدة والتقاليد المتزمتة يعيقون تطوير المرء ووصوله إلى فهم ذاته وذات الآخرين، ولقد أدرك ذلك في وقت مبكر وأعدّ قواعد وأساسيات ضد تلك الأخلاقيات ووقف ضد جميع تلك التنشئات الاجتماعية الخاطئة السائدة آنذاك، أما الأمر الثالث الذي اكتشفه سورين هو التكيّف، لقد كتب سورين يقول أن صعوبات التكيّف وعدم قدرة الشخص على التكيّف هي أيضاً أحد تلك العراقيل التي تؤدي إلى إيقاف العملية لديه، وكذلك حذر سورين من احتياجنا المدمن والمزمن أو الوقوع في أحد تلك العقبات بشكل أبدي.
إن تلك العقبات الثلاثة ومضاعفاتها هي التي تُتلفْ عُدًة وأدوات البحث عن الذات، وهي التي تقوم بتبلد الذات وتدمير حساسيتها الجوّانية وتُخرب المسار الذي يؤدي إلى التناغم المتآلف في داخلنا مما تجعلنا نفقد الإحساس بالوضوح وعدم قدرتنا على الانفتاح أو حب الاستطلاع الذي سيفضي إلى فهم الذات، وبالتالي إذا خسرنا هذا كله سنصبح ضعفاء ونكون في وضع حرج.
في النهاية يرى سورين أن السقوط في أحد تلك العقبات تجعل المرء في حالة انفصال تام عن داخله، تفقده قدرة الانصات إلى ذاته وتضيع فرصة الارتقاء والتطور للوصول إلى الذات، وهكذا يبقى عالقاً يراوح في مكانه لا يمكنه الانتقال إلى مرحلة أخرى مما يشعره ذلك بالاغتراب، ويشعر بالاغتراب مع نفسه ومع الآخرين، وهكذا يصبح غريباً عن نفسه، ومع كل شيء حوله وكل يوم يزداد شعوره بالاغتراب عن ذاته وحياته أكثر وأكثر.
لقد لاحظ سورين شيئاً هاماً ووجد طريقاً يمكن أن يحرر الإنسان من نفسه ليجد ذاته وأطلق عليه أسم "جوهر الداخل" وهو أن على المرء أن يطلق العنان لنفسه ويخرج من تلك الدائرة الضيقة التي وضع نفسه فيها ويتعرف إلى ذاته وأن يترك جميع التعاليم القديمة التي تلقاها من الآخرين ويتحرر من دائرة المعتقدات والنظريات الثابتة والأفكار المتزمتة التي حصل عليها وأن يبعد عن رأسه كل تلك الأعراف والتقاليد التي تربى عليها وأن يتحرر من كل تلك المفاهيم القديمة التي عبؤوا رأسه بها ويتعرف على ذاته هو وأن يطالب ويحث رفاقه في الإنسانية أن يتحرروا هم أيضاً منها وليستوعبوا ويدركوا جيداً بأنهم أناس أحرار.
"-اكتشف ذاتك! واخرج معها في مغامرة طويلة، فتش عنها بجدية وابحث عن حقيقة وجودك!".
لم يستمع إلى سورين وفلسفته إلا القليل من الناس، ومعظم الذين استمعوا إليه لم يفهموا أو يستوعبوا ما كانت تعني أفكاره تلك، وبدلاً عن ذلك بدأ الناس باستجوابه والافتراء عليه وترويعه وإرهابه بكل الوسائل ومنع أفكاره من الانتشار واستمر الآخرون في اضطهاده حتى لحظة مماته عام 1855، لقد توفى سورين كيركيجارد عن عمر يناهز الثانية والأربعين.
-هل يستطيع المرء أن يعثر على حقيقة وجوده بمفرده بشكل شخصي؟ هل يتمكن الإنسان من الوصول بصورة فردية بحتة إلى معنى حياته دون الاستعانة بأحد، أو دون طلب المساعدة من أحد والديه أو هل له أن يسأل مُعلميه أو أحد علماء الدين، الكهنة، أحد القساوسة؟ هل يمكن للمرء أن يطلب المساعدة من أحد هؤلاء الأشخاص الذي ذكرتهم؟
-كلا! مستحيل أن يحصل هذا! لكن سورين لم يستسلم أبداً، وكان مقتنعاً تماماً بأنه على حق وأنه ببساطة تامة مؤمن بأن هناك وسيلة ما لكل فرد بشكل شخصي يمكن له أن يكون هو نفسه، هو ذاته. لقد مضى ما يزيد عن 200 عام على كتابات سورين وكتبه العديدة ومنذ ذلك الزمن إلى يومنا هذا حدثت تغيرات كثيرة في الحياة ولكن هل تعتقد يا سورين أننا مستعدون الآن لنستمع إلى أفكارك؟ هل ترى أننا في سنة 2000 إنسان القرن الحادي والعشرين قد توصلنا إلى ما يكفي لنكون فضوليين ونتعرف إلى منهجك ذاك الذي أتيت به؟ هل نحن مستقلون الآن بما فيه الكفاية، ومستعدون، ولدينا من الاكتفاء الذاتي لنفهم ما جئت به؟ أم أننا سنكون ثائرين أيضاً ونشعر بالاستفزاز من كوننا غير قادرين على تقبل أفكارك وعقليتك تلك؟ ما رأيك؟ هل نحاول؟ هل نجرب؟ هل سنبدأ من البداية تماماً من تلك اللحظة التي كنت قد رأيتها أنت، من المرحلة الأولى وأحاسيس الإنسان ومواجهته ولقائه الأول مع العالم؟
"فكرتي الأساسية هي في وقتنا...
هي أن المرء قد نسي ما معنى
وجوده!."
من كتاب سورين كيركيجارد- لم تنته. "

الصفحات