لقد مثلت الرواية في العالم العربي إحدى سمات الفكر والتصور العربيين، إذ مثلها مثل الروايات العالمية، ساهمت في نقل التجربة العربية الإنسانية إلى العقل الإنساني رغم حداثتها مقارنة مع العالمية، ولقد أرجع النقاد تاريخ ميلادها إلى فترة1914 حيث ظهرت أول تجربة تمثل
أنت هنا
قراءة كتاب الموروث الثقافي في الأدب العربي الحديث - الروائي حنا مينة نموذجا
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الموروث الثقافي في الأدب العربي الحديث - الروائي حنا مينة نموذجا
"تسكعت قليلا وكأنني أبحث عن ظلي في يوم غائم، الحلاق العجوز مثل والدي المتزمت، وخطيب أختي (رئيس القلم) وبنت عمي بعويناتها الطيبة . لا أحد يفهمني ولا يريد أن يصغي إلي . أنا لن أكون موسيقيا . لا أصلح للعزف، ولا صبر لي على تعلمه، لقد أغرمت بالموسيقى مصادفة، فقد كنت أسير في الشارع الممتد من السراي إلى المستشفى، ومررت بكنيسة لاتينية هناك، فسمعت الأرغن كانت نغماته رخيمة، عميقة، كحمحمة الموج على الحصى، تنداح من النوافذ العليا لواجهة الكنيسة القوطية"(9) .
إن مظاهر الاحتفالية الماضوية قائمة بكل زخمها، تحدث الأديب وتنقل عنه هواجسه، وتفرض عليه إرادتها بقوة حتى إننا نراه مستسلما لها تتجاذبه نشوة الذكرى، وحب القديم، فالكنائس لما لها من أثر في نفس الصبي، تظل بكينونتها قائمة تحدثه صورتها، ويملي عليه لونها بشتى بهارجه حضارة القوطيين بتمازج وتداخل في احتفالية مبهرة، فكان الحكي الماضوي مجسدا بكل دقائقه، مرتبطا بذات الأديب التي نهلت منه نهلا كبيرا، وتمكنت من رصد واقعه واقتفاء أثره، حتى ونحن نتتبع هذه الآثار تتسامى دقائق مفصلة لطفولته، حية طرية فكان إذا هذا التداخل المتصلف الذي أوحى بقدرة فائقة، يمتلكها الكاتب ويحسن توظيفها في جميع الحالات، إننا لا نقدر على فصم عرى النص عن بعضها، أو ندعي القدرة على ذلك، فهو أشبه ببناء متكامل ترادفت أجزاؤه، فكانت الذات روحه والكتابة أداته.
"إن كيفية توظيف النص السابق، وطريقة ممارسته في نص لاحق تجعلنا نعاين كون العرب القدامى كانوا ينظرون إلى الاقتباس والتضمين والاستشهاد نظرة إيجابية، وضرورة أيضا.
وهذا ملاحظ في النقطة الأولى حول المادة الأداة، بل إن السرقة نفسها نظر إليها نظرة خاصة ودقيقة مع الجرجاني"(10) إذا اعتبرنا أن المكان المفتوح أو المغلق نصوصا حية مليئة بتراث زخم هكذا نلمس التضمين الذي مرده إلى تأثر الذات، ومعايشتها لواقعها وارتسام هذا الواقع بكل حيثياته حتى إنه يظهر جليا في جميع سطور الرواية لاسيما(الشمس في يوم غائم)، إن السرد الذي تضمنته الرواية عبارة عن هواجس عاشها الكاتب، وتملاها، وغالبها وصارعها، ولكنها تمكنت من الرسوخ أمام عينات الواقع المتكررة "لقد عشت الحياة بكل طاقتي، بكل طاقة في كياني، جمعت تجارب كثيرة من الكتب والناس، ومابقي هو أن أرتب بيتي الداخلي، أن أربط في جدلية خلاقة بين أشيائه بعد أن أكون قد قلبتها على كافة وجوهها، ورأيت ما تحتها كأحجار مركومة في حقل، كي أتبين لا نظافتها من الخارج فقط، بل ما علق بها من أوساخ في جانبها المتصل بالأرض، وما يقبع تحتها من ديدان أو حشرات، وأكون على مسافة بصرية من كل صفحاتها، فأستطيع بعدئذ أن أقول باطمئنان أنني أعرف هذا الشيء أو هذا الشيء أو هذا الحجر"(11). تتشابك في ذات الأديب خيوط عديدة لماضيه الحزين، فهو ابن عائلة فقيرة عاجزة مثلها مثل الكثير من الأسر السورية التي تملك، ولا تقدر على الامتلاك، فكانت الرواية الباب الذي ولج منه"حنا مينة" إلى نقل كل هذه التجارب، بشتى صنوفها "إن الرواية تحتاج خبرة علمية في الحياة، إلى جانب تجارب وممارسات كثيرة، إلى (دولاب محفوظات)تصنع فيه كل أصناف المعلبات إلى وقت الحاجة والضرورة، ولا يقتصر هذا على أيام الشباب ولا على المعرفة المقصورة على حيينا وبلدنا، أعني بيتنا، بل نحتاج إلى معرفة الأحياء والمدن الأخرى ومعرفة الجغرافيا والتاريخ والفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع وقبل ذلك إلى معرفة جيدة بالتراث، وإلى قراءات لا تنتهي"(12).
إن كل هدا حاضر في الكتابة الروائية حضورا اعتياديا جسد معاناة الأديب، ونقل إلينا توجهاته وأحلامه كما يراها ويتصورها، فكان انعكاسها في شخوص الرواية انعكاسا آليا. "أدخلت للمعالجة ولم تكن بي علة ظاهرة، الطبيب قال إن لدي فقر دم عالجوني ببعض المقويات ونصحوني بالإكثار من الرياضة والتنزه وقراءة القصص المسلية، أخيرا أرسلت إلى أحد المصحات وهناك تابعوا تقويتي وتركوا لي حرية التجوال في حدائق المصح، لأن مرضي لا يستدعي البقاء في السرير"(13).
إن بطل القصة من عائلة ثرية جدا تملك القصور والضياع، ولها خدم وحشم، وهذا ما يجعلنا نستلمح ذات الأديب كعلامة بارزة بصفته من عائلة فقيرة تقتات مما تقوم به من جهد، ومن ثمة كان مرض فقر الدم وكانت المعاناة، وهذا ما جعلها تطفو إلى عقل الأديب وهو يقتفي أثر أبطاله، يقول ك. غ. يونغ:"لاشيء يمنع العقل المتفكر من اعتبار النفس ظاهرة كيماوية حيوية تسرح في قاعها الكهارب من ناحية ومن ناحية أخرى اعتبار المسلك الذي تسلكه الكهارب ولا يتأتى لنا التنبؤ به علامة على حياة عقلية في داخلها بالذات، من ناحية ثانية"(14). فالذاتية كونها تتبلور وتتمازج، وعلى حد قول(يونغ) عنصر كيماوي كفيل بأن نراه ونترقبها في كل العمل الروائي، مجسدة لنا حالة الأديب وهو يعطي أدوار شخوصه، ويوجههم سواء بتلقائية أو بإرادة ورغبة، فالأديب كائن كجميع البشر له نفس وثابة متطلعة تسعى لسبر أغوار المجاهل الكونية، فطالما زجت به نفسه في هذه المغاليق، وحثته على دك أبوابها، وها نحن نراها تتسلط بكل عنجهية دافعة إياه إلى المعرفة، "تصورت عالم القبو في لوحتي يشكل الحمار الذي رأيته جزءا منها، ويشكل الأطفال، بكل ما في الأحياء الفقيرة من فقر، جزءا آخر...
وبينهم أمهم، وطفل رضيع يحبو في التراب، ودجاجات وكلب، وكان تصوري هذا ناشئا عن لوحة أخرى رأيتها أو قرأتها في كتاب ما"(15).

