مع انتهاء إعداد هذا الكتاب، طردت الثورات الشعبية (الشعب يريد) في تونس ثم في مصر من السلطة رئيسين كان كثيرون يعتقدون أنهما غير قابلين لإطاحتهما قط.
أنت هنا
قراءة كتاب أحوال بلاد المتوسط في عصر العولمة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
منافسة إمبريالية ـ إمبريالية مع الولايات المتحدة
في منطق الهيمنة الذي يحكم سياسة إدارة بوش، والذي يشهد عليه انخراطها العسكري بدءاً من يوغوسلافيا السابقة ووصولاً إلى أفغانستان، تنظر الولايات المتحدة إلى الشراكات الأوروبية المتوسطية بوصفها عقبة أمام تحقيق غاياتها في أوروبا والعالم العربي؛ وهذا ما دفع واشنطن إلى تقديم خطتها من أجل «شرق أوسط كبير» في العام 2004، أثناء اجتماع لمجموعة الثماني الكبار. بالنسبة إلى البيت الأبيض، يتعلّق الأمر بدمج المنطقة في عملية العولمة وضمان حرّية كاملة لتحرّك رؤوس الأموال والسيطرة على موارد الطاقة في المنطقة، ولاسيّما التحكّم بطرق النفط، وكذلك ضمان التحكم بالموارد المائية، وهو أحد الرهانات الجيوستراتيجية الأساسية في القرن الواحد والعشرين. تقوم الولايات المتحدة بذلك عبر تطبيق «الاستراتيجية القومية الأمنية الجديدة» المحدّدة في خريف العام 2002.
إنّ القوى الأوروبية، التي وجب عليها من جانب آخر الاعتراف بالنتائج الهزيلة لمسار برشلونة، قد أظهرت تحفّظات قويّة على هذا الهجوم المباشر الذي قامت به «الإمبراطورية» على ما تعدّه منطقة خاصّة بها. تفيد ملاحظة فرنسية ألمانية كتبت في شباط/فبراير 2004 بأنّه «يجب على الاتحاد الأوروبي تعريف مقاربة متمايزة تكمل مقاربة الولايات المتحدة، والعمل عبر مؤسساتها وأدواتها الخاصة».
تستثير المغالاة واحتقار الوقائع الثقافية الخاصّة بمشروع يمضي من موريتانيا إلى باكستان معارضة أكثر حدّة في العالم العربي. كتب جورج قرم، وزير المالية اللبناني الأسبق: «المشروع في جوهره مرتبك ويزرع الخوف والريبة لدى الحكّام والمحكومين معاً. فبالنسبة إلى الحكّام، تشجّع الولايات المتحدة عبر هذا المشروع مطالب السكان واستياءهم. ولا يجد فيه المحكومون إلّا نفاقاً إضافياً عبر سياسة الهيمنة التي ينتهجها الثنائي الإسرائيلي الأميركي»[5]. وبهدف حفظ ماء الوجه، تمّ تحويل المشروع الأميركي المتعثّر إلى حلف الناتو في قمّة اسطنبول. وقد أعلن تشاك هاغل (legaH kcuhC) في تلك القمّة ما يلي: «سوف يتحدّد مستقبل حلف الناتو على ضوء نتائج مبادرة الشرق الأوسط الكبير»، وخلص رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى أنّه «ينبغي أن تمتدّ قيم حلف الناتو من شمال أفريقيا إلى أوراسيا». اندرجت اتفاقيتا شراكة مباشرة ضمن امتداد خطة الشرق الأوسط الكبير: مبادرة اسطنبول للتعاون، التي شاركت فيها البحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر، والحوار المتوسطي الذي سنعود إليه لاحقاً.
بعد تهميش المشروع الأميركي الهادف لتأسيس الشرق الأوسط الكبير، يبقى أن نلاحظ، كما كتبت صحيفة الحياة، بأنّ الشراكة الأوروبية المتوسطية لفظت أنفاسها، مع الاعتراف بأنّ هذا الفشل يعود جزئياً إلى «قدرة البلدان العربية على إفشال محاولات الإصلاح والعصرنة»[6]. وكانت أولى ردود الاتحاد الأوروبي إعلان «سياسة جوار أوروبية» (VEP) تتأسّس على أهداف «استراتيجية الأمن الأوروبي» التي تم تبنيها في كانون الأول/ديسمبر 2003. تنطبق سياسة الجوار الأوروبية على الجيران المباشرين للاتحاد الأوروبي على حدوده الشرقية (أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدافيا والقوقاز) وعلى جيرانه جنوبي المتوسط وشرقه، من المغرب إلى سوريا.
من جانب، توجد ثابتة لهذه المبادرات المتتالية، وهي عدم قدرتها على حلّ المشكلات البنيوية بين شمال حوض المتوسط وجنوبه وكذلك بين شرقه وغربه، وهي مشكلات تختصر بمعطى بسيط يتمثّل في أنّ دخل الفرد يبقى لدى «الشركاء» المتوسّطيين أقل بنحو عشر مرّات منه في الاتحاد الأوروبي. يضاف إلى ذلك فشل أوروبا السياسي في تقديم حلّ للعواقب الإنسانية للنزاعات التي تمزّق المنطقة، وعلى رأسها المسألة الفلسطينية، بالإضافة إلى حقوق الشعب الصحراوي ومسألة سبتة ومليلة وتلك النزاعات الناجمة عن تفكّك يوغوسلافيا السابقة.


