مع انتهاء إعداد هذا الكتاب، طردت الثورات الشعبية (الشعب يريد) في تونس ثم في مصر من السلطة رئيسين كان كثيرون يعتقدون أنهما غير قابلين لإطاحتهما قط.
أنت هنا
قراءة كتاب أحوال بلاد المتوسط في عصر العولمة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
سياسة أنذال تغيب عنها الشعوب
تبدو عواقب سياسات الشراكة هذه، وكلها ممهورة بختم النيوليبرالية، جلية لشعوب جنوبي المتوسط (وكذلك لشعوب البلقان).
في المجال الاقتصادي، تستقي المصالح الرأسمالية الأوروبية فوائد واضحة من تلك السياسات. إنّ اتفاقيات التبادل الحر هي بالكامل لمصلحة بلدان الاتحاد الأوروبي. فلنأخذ على سبيل المثال إلغاء الرسوم الجمركية: تلغى أساساً الرسوم المفروضة على المنتجات الصناعية في حين أنّ من مصلحة بلدان الجنوب أن تمنح مزايا تسعيرية في المجال الزراعي. كما أنّ من نتائج هذه الاتفاقيات مزيد من إضعاف القطاع الصناعي في تلك البلدان، في ظلّ عجزها عن منافسة المنتجات الأوروبية، كما أنّها فضلاً عن ذلك تسهّل الاستثمارات الأجنبية التي تضمن بذلك السيطرة على وسائل الإنتاج، بعد أن أصبحت اقتصادات تلك البلدان تخضع خضوعاً مهيناً للشركات متعددة القومية.
وبصدد مشكلات الهجرة، تقلّص أوروبا بالتعاون مع دول الجنوب الهجرة الإرادية باللجوء إلى أكثر الوسائل وحشية، كما أنها تريد أن تحلّ محلّها سياسة الهجرة المختارة، وذلك دائماً لمصلحة الرأسمالية الأوروبية التي تقلّص نتيجة لذلك، عبر استنزاف الموارد البشرية والفكرية في بلدان الجنوب، إمكانيات تلك البلدان وتفاقم من إعاقة تنميتها.
أما في ما يخصّ المسائل الأمنية، فإنّ سياسة أوروبا (والغرب عموماً) تتلخّص في أولوية ضمان أمنها، مثلما تشهد على ذلك عملية السعي الحثيث لمكافحة الإرهاب (evitcA ruovaednE)، وهي أكبر عملية عسكرية في المنطقة، وتساهم فيها بلدان الحوار المتوسطي. لكنّ أوروبا لا تقدّم حلًّا للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني أو لمسألة الصحراء الغربية.
أخيراً، وعلى الصعيد الإنساني، تبدو الأمور غائبة تماماً: خلف التصريحات المبدئية الموسومة بالإنسانية، يتم الاجتماع وتمرر الاتفاقيات والعقود مع السلطات الكمبرادورية. ما الذي يفعله الاتحاد الأوروبي لإيجاد وفرض حلول عادلة ومنصفة للحروب والمآسي التي تخضع لها شعوب هذه المنطقة منذ أجيال؟ إنّ حقوق الإنسان هي كبرى منسيات سياسات الشراكات.
دعونا نعود إلى الأهداف التي أعلنها المنتدى الأوروبي قبل ربع قرن: جعل المنطقة «منطقة سلام وأمن وتسامح وتفاهم مشترك، وتنمية وازدهار، وفهم ومبادلات بين شعوب المنطقة، في إطار ترويج سيادة القانون، والديمقراطية التعددية وحقوق الإنسان». الفشل صارخ ولم يكن ممكناً أن يكون الأمر مغايراً لذلك، إذ إن مصالح شعوب المنطقة ليست هي التي تحثّ على سياسات الاتحاد الأوروبي المتوسطية وتقررها، بل مصالح رأس المال المالي والصناعي والمنافسة بين الإمبرياليين.
يهدف هذا الكتاب إلى تقديم بعض مفاتيح فهم الرهانات الكبرى في العلاقات بين شمال المتوسط وجنوبه، واستراتيجية القوى العظمى، ومفاعيل السياسات النيوليبرالية وعواقبها في إحدى أكثر مناطق التبادل الحر حساسية في العالم.
تسمح لنا عودة إلى التاريخ (الفصل الأول) بالتذكير بأنّه بعد قرون من العلاقات التي تناوبت فيها بالتأكيد النزاعات والمبادلات، الاتحادات الإمبريالية والتجزئة السياسية، أقامت الثورة الصناعية وبدايات الاستعمار علاقة دائمة من السيطرة، لم يسمح الاستقلال اللاحق بتجاوزها.
غداة الحرب العالمية الثانية، بسطت الولايات المتحدة هيمنتها العسكرية على العالم، على أوروبا وعلى المتوسط. تحاول أوروبا عبثاً استعادة مكانها، غير أنّ ذلك لا يمنعها من أن تلعب بدورها على النزاعات الإقليمية، من فلسطين إلى الصحراء الغربية (الفصل الثاني).
لقد هدفت الشراكة الأوروبية المتوسطية (الفصل الثالث)، التي أطلقت في برشلونة في العام 1995، إلى إقامة منطقة تبادل حرّ واسعة وبنت الأدوات التي تسمح في الآن عينه بفرض قيد السياسات النيوليبرالية على «البلدان المتوسطية الثالثة» والتحكم بتدفقات الهجرة، تحت غطاء مشروع إقامة منطقة سلام وازدهار لم تبصر النور حتى الآن.


