مع انتهاء إعداد هذا الكتاب، طردت الثورات الشعبية (الشعب يريد) في تونس ثم في مصر من السلطة رئيسين كان كثيرون يعتقدون أنهما غير قابلين لإطاحتهما قط.
أنت هنا
قراءة كتاب أحوال بلاد المتوسط في عصر العولمة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
النفط والسيطرة الإمبريالية
في وقت مبكر جداً، أصبح النفط رهاناً رائعاً بفعل أهميته المتزايدة للجيوش الأوروبية. في الشرق الأوسط، ظهر النفط لأول مرة في إيران في العام 1909؛ وكان الشاه قد منح في العام 1901 امتيازاً لشركة بريطانية، أصبح اسمها فيما بعد بريتيش بتروليوم (PB). وفي الإمبراطورية العثمانية، جرت عمليات تنقيب في منطقة الموصل الكردية منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. وبعد انتهاء تلك الحرب، دارت المساومات الإنجليزية الفرنسية بصدد تلك المنطقة حول النفط؛ منحت اتفاقيات سان ريمو (1920) المصالح الألمانية لفرنسا التي أسست الشركة الفرنسية للنفط. وضمت شركة نفط العراق (CPI) رؤوس أموال أميركية وبريطانية وهولندية وفرنسية. وهكذا، وفي وقت مبكر جداً، سيطرت الشركات النفطية الكبيرة على السوق، وأضحى النفط رهاناً لتقسيم أشلاء الإمبراطورية العثمانية ـ والسبب الحقيقي في عدم خلق الدولة الكردية. في العام 4391-1935، بنت شركة نفط العراق أنبوباً نفطياً يصل إلى حيفا (فلسطين)، تم إغلاقه في العام 1948، وآخر يصل إلى طرابلس (لبنان)، تم إغلاقه في بداية الحرب الأهلية التي عاشها ذلك البلد. وبعد الحرب العالمية الثانية، تم بناء أنبوب نفط ثالث، هو الوحيد العامل حالياً، ينقل النفط إلى بانياس، في سوريا.
وفي الجزائر، يعود اكتشاف النفط إلى الثلاثينيات، وبدأ استثماره في العام 1949. كانت واحدة من منشآته الرئيسة هي منشأة حاسي مسعود، التي اكتشف فيها النفط في حزيران/يونيو 1956. في العقود الأولى، تحكّمت الشركات باستكشاف النفط واستثماره وتوزيعه ودفعت نسبة مئوية ضئيلة جداً من أرباحها إلى البلد المنتِج. لكن بعد الحرب العالمية الثانية، حصلت فنزويلا (منذ ذلك الحين!) من الشركات الكبيرة على تقاسم في الأرباح بنسبة 50/50، وحذت حذوها بعض بلدان الشرق الأوسط. وأذعنت الشركات الأميركية العاملة في شبه الجزيرة العربية (في سياق الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تحتاج المملكة العربية السعودية). تردّد صدى ذلك الاتفاق في الكويت والبحرين والعراق. وحدها الشركة الأنجلو ـ إيرانية رفضت، فأممها مصدّق في العام 1951، لكنه أطيح بعد عامين بانقلاب دبّرته وكالة المخابرات المركزية الأميركية. وكان ذلك الانقلاب نهاية الاحتكار البريطاني، إذ أصبح الأميركيون يفرضون شروطهم.
في الستينيات، أصبح النفط حاسماً في الاقتصادات الصناعية. فعلى إثر هبوط الأسعار الناجم عن إجراءات الحكومة الأميركية، الهادفة إلى حماية صغار منتجيها، اجتمع كبار المصدرين (شبه الجزيرة العربية وفنزويلا والكويت وإيران والعراق) في بغداد في أيلول/سبتمبر 1960 وأسسوا منظمة البلدان المصدرة للنفط (الأوبك)، التي سرعان ما نجحت في الحصول على تجميد للأسعار. في الستينيات، ثم بخاصة في السبعينيات، شهدنا حركة استعادة البلدان المنتجة لثرواتها النفطية. تأسست في العام 1968 منظمة البلدان العربية المصدرة للنفط، بمبادرة من المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا، بهدف سياسي صريح: جعل النفط سلاحاً في يد الجامعة العربية في صراعها مع إسرائيل.
أما الجزائر، التي اضطرت للموافقة في اتفاقيات إيفيان على الحفاظ على مصالح الشركات الفرنسية في نفطها، فقد كسرت هيمنة تلك الشركات في العام 1965 حين فرضت احتكار شركتها الوطنية (سوناطراك، التي تأسست في العام 1963) لنقل الغاز والمشتقات النفطية واستكشافها. في العام 1971، أممت الجزائر مكامن الغاز وفرضت مساهمة بنسبة 51% في الشركات النفطية الفرنسية العاملة على أراضيها. لكن بعد وصول الشاذلي بن جديد إلى السلطة، تجلى فساد السلطة وزبائنيتها في عزل الكوادر التقنية في سوناطراك، وفي مبالغ غير نظامية صارت تقتطعها المافيا المحيطة بالسلطة من الصناعة النفطية وتختلسها على نطاق واسع.
هل كان ذلك الأمر من الحسنات أم من المصائب؟ لئن كانت أرباح الصناعة النفطية قد موّلت في البداية سياسات تنموية طموحة وأشغالاً كبيرة في مجال التنظيم والتجهيزات، وكذلك سياسات تربوية واجتماعية، فإنّ المفاعيل المنحرفة للاستحواذ على مثل ذلك الريع على يد الطغم الحاكمة قد ظهرت بسرعة. فبعد تحسين الشروط المادية للسكان، بدأت تنفجر بدءاً من السبعينيات التفاوتات والاستهلاك المتباهي لدى نخبة من المستفيدين القريبين من السلطات القائمة. وقد أدى التحول الفظ لأساليب الحياة إلى إضعاف المجتمع عبر خفض قيمة منظومات القيم القديمة.


