مع انتهاء إعداد هذا الكتاب، طردت الثورات الشعبية (الشعب يريد) في تونس ثم في مصر من السلطة رئيسين كان كثيرون يعتقدون أنهما غير قابلين لإطاحتهما قط.
أنت هنا
قراءة كتاب أحوال بلاد المتوسط في عصر العولمة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الثورة الصناعية، بدايات الاستعماروصعود النزعات القومية
شهدت الثورة الصناعية نشوء «المسألة الاجتماعية» وولادة الحركة العمالية في أوروبا. لقد كرست هذه الثورة تفوّق أوروبا، الذي تجلّى أيضاً عسكرياً. وفي حين تراجع العثمانيون أمام القوة الروسية في العام 1798، احتلت إنجلترا مالطة ومضى بونابرت إلى وقد أثار الاحتلال الفرنسي لمصر، الذي لم يدم سوى بضع سنوات (1802-1798) مزيجاً من المقاومة والانبهار، واستلهم محمد علي (1805–1848) الذي أصبح باشا (حاكم) مصر في العام 1805 الإصلاحات التي أدخلها الفرنسيون لإطلاق سياسة عصرنة اقتصادية حثيثة لمصر.
أصبحت أوروبا تصدّر منتجاتها المصنعة إلى الإمبراطورية العثمانية ووضعت الإنتاج المحلّي موضع الخطر، وغزت المنسوجات البريطانية أسواق الشرق الأوسط، واستندت الشركات التجارية إلى وكلاء محليّين كثيراً ما كانوا من الأقليّات. وفي المقابل، نشّط الطلب على الصناعة الأوروبية الزراعة التصديرية: القطن والقمح في مصر، القمح والتبغ والحرير في لبنان وسوريا، والحمضيات في فلسطين. في أواخر القرن التاسع عشر، أصبحت مصر أحد أكبر منتجي القطن عالمياً، وأول مورّد للصناعة الأوروبية بهذه المادة، في حين أصبح صانعو الحرير من مدينة ليون يتزودون بكميات كبيرة منه من جبل لبنان. وفي مصر، كان الإنجاز الأكبر هو قناة السويس التي تم تدشينها في العام 1869: كانت شركة القناة فرنسية، لكن البريطانيين امتلكوا أغلبية أسهمها في العام 1875 بفضل شراء حصص العاهل المصري. ولتمويل الأشغال الكبيرة، كان العاهلان المصري والعثماني يلجآن إلى اقتراض مبالغ ضخمة. ومنذ سبعينيات القرن التاسع عشر، لم تعد الحكومتان في اسطنبول والقاهرة تستطيعان ضمان خدمة الديون السنوية. في العام 1881، أقام الدائنون هيئة مكلفة بإدارة الديون العثمانية، يرأسها بريطاني وفرنسي على التعاقبن فكانت تقتطع الضرائب مباشرة في المقاطعات وسرعان ما أصبحت تتحكم بنسبة 30% من موارد الدولة، في حين كانت القوى العظمى قد وضعت السلطنة العثمانية تحت الوصاية إيذاناً بنهايتها الوشيكة. تحولت الأزمة المالية إلى أزمة سياسية. وبعد احتلال الجيش البريطاني لمصر في العام 1882، كانت الهزيمة العثمانية وتفكك الإمبراطورية غداة الحرب العالمية المآل المنطقي لمشروع السيطرة الذي أدارته القوى الأوروبية. وقد أدى تقسيم الأراضي الناجم عن ذلك التفكك وتوزيعها بين القوتين المنتصرتين، فرنسا والمملكة المتحدة، إلى مزيد من تكريس خضوع اقتصاد الدول الجديدة إلى المصالح الأجنبية.
في موازاة ذلك، تقدّم الاستعمار في بقية أفريقيا المتوسطية. فقد غزا الفرنسيون الجزائر واحتلوها و«بسطوا السلام» عليها بدءاً من العام 1832، مستخدمين القوة المطلقة التي تُبرزها عمليات «نفث الغاز» في المغارات التي سجن فيها آلاف القرويين. مرّ استصلاح الأراضي بالمصادرة وباستقرار عشرات آلاف المستعمرين، من فرنسيي البلد الأم، اللاجئين من الألزاس واللورين، ثم الإسبانيين والإيطاليين والمالطيين... وبعد احتلال تونس في العام 1882، تلاه احتلال المغرب في العام 1912، مقسماً بين فرنسا وإسبانيا، وكانت إيطاليا قد احتلت ليبيا في العام 1911. اكتسب ليوتيي (yetuayL)، حاكم المغرب من العام 1912 إلى العام 1925، سمعة حاكم متنور يحترم هوية البلد ويعرف كيف يستند إلى وجهائه. غير أنه أدار فتح المغرب بدءاً من العام 1907، قامعاً بشدة محاولات المقاومة الشعبية، ما منحه لقب «المقيم العام» في العام 1912ن فتمدَّدت حرب الفتح من دون نهاية حتى العام 1934، وفقد فيها 100 ألف مغربي حياتهم.
لقد كان القرن التاسع عشر في الوقت عينه قرن الفتوحات الاستعمارية وصعود النزعات القومية في آن معاً. في أوروبا، أثارت فتوحات نابليون ردود فعل قومية وطنية، في حين تزعزعت الإمبراطورية النمساوية المجرية بسبب صعود مطالب الشعوب التي تشكّلها. ووجب على الإمبراطورية العثمانية أن تواجه بدورها الصراعات من أجل استقلال شعوب البلقان. استقلت اليونان، بدعم من الإنجليز، منذ العام 1829، ورومانيا في العام 1858، وبلغاريا وصربيا في العام 1878، وكانت الشعوب الأوروبية التي انفصلت عن الإمبراطورية مسيحية على نحو رئيسي. في هذا السياق تندرج الإبادة الأولى في القرن العشرين، إبادة الأرمن، في العام 1905 وبخاصة في العام 1915.
كان العرب، وغالبيتهم العظمى من المسلمين السنّة، آخر من أكدوا هوية قومية، تجمع المسلمين والمسيحيين واليهود. وقد تزامن صعودهم مع التغلغل الاقتصادي الأوروبي، الذي سرعان ما تبعه احتلال عسكري، تكرس بمعاهدة حماية بين المملكة المتحدة ومصر، ثم عبر الانتداب برعاية عصبة الأمم: أوكل لبنان وسوريا إلى فرنسا، وأوكلت فلسطين والأردن والعراق إلى المملكة المتحدة.
نادراً ما تتم مشاركة هذين الوجهين للمسألة القومية مثلما ترتسم في القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من ذلك، فإن تزامنهما ليس عرضياً، وهذا ما ستشهد عليه الصهيونية، في فرادتها. فقد ولدت الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، في خضم صعود النزعات القومية في أوروبا المركزية، وسرعان ما استغلتها القوة الاستعمارية البريطانية.


