كتاب "إضاءات نيتشوية - منسيات فاضحة ج 2"؛ كنت أفضّل أن أترك هذا الكتاب بدون مقدمة أو استهلال، لا لأكسر القاعدة المتبعة في تأليف الكتب، وليس لأني لم أجد داعياً أصلاً، التمهيد لما تجب قراءته رأساً، بدون مقدمات كتلك التي من شأنها أنْ تُفسد على القارىء متعة است
أنت هنا
قراءة كتاب إضاءات نيتشوية - الجزء الثاني
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
خَطْبُ النساء من خضوعهن
كل النساء يحملن بذور خطب نفسي، بسبب خضوعهن إلى ضغوطات سلطة ذكورية، لا تعترف بهنَّ، كائنات إنسانية حرّة في ما تريد...، أو في ما ترغب...؛ وإن أردت أن تقذف أحداً بشتيمة لاذعة، ما عليك إلا أن تسبّه على النحو الذي يحيلك فاعلاً بأخته... بأمّه أو ابنته؛ وقس على ذلك الكثير من الأمثلة التي لا وجود فيها للمرأة في العالم المتأخر، إلّا بالنسبة إلى رجل، قيمته كرجل ليست إلّا في الذود عن شرفه المتمثل بالدفاع عن أخته أو أمه.
فالأنثى في مثل هذه الأحوال تتعرض إلى تدمير بنيوي يتقوّض المسوغات الإنسانية لأحاسيسها المرذولة، إنْ تجرأت على الإفصاح عما تشعر به حياله؛ فالمطلوب ألّا يتقدمن وألّا يشهرن ما في أنفسهن، لئلا يتهمن بالفاسقات والفاجرات الخ...
لذا، فالنسوة في المجتمعات الذكورية ليس لديهن متنفس في عالم الوعي، فيلجأن بشكل تلقائي إلى اللاوعي فيستحلن غير سويات، بمعايير التصنيفات، أو بالأحرى، التصورات التقليدية، كتلك التي لا يخطر فيها على بال رجل تقليدي أن يتخيل أمّه وهي تمارس الجنس بشبق فحولي...
جنون نيتشه ضجيج أسئلة
لئلا ننسى، علينا التذكير مرةً ثالثة ورابعة وخامسة، بأنّ «نيتشه» لم يُعفِ نفسه من نقد لسانه اللاذع؛ فبهذا المعنى، لا تستطيع أن تخاله على شاكلة الناس البسطاء والعاديين.
فملامحه النارية تضج بالسخط على كل الأشياء، وإيماءاته الثائرة، مليئة بالنقمة على كل ثبات، فهو يروم في اهتياجه إلى بعثرة كل ترتيباتنا، كما إلى تدمير الهندام الاجتماعي لأوضاعنا القائمة على أوهام، خَلَقْنا لها إلهاً، لتدبير بقية حياتنا القصيرة عبر حكاية مضحكة أبداً.
هوذا «نيتشه»، رجل أضناه التعب من فرط التفكير والتفكُّر، حتى أنّك لا تخاله إلّا عقلاً استحال شكلاً فيزيولوجياً لإنسان أصابه الخبل مِنْ جراء عدم الملاءمة بين جوهر العقل وطبيعة البدن.
وأغلب الظن أن «نيتشه» وُلدمن رحم امرأة عانت «الأمرّين» مِنْ مخاض ولادة كائن عدمي، كان منذ لحظته الأولى، طفلاً فوضوياً لا يستكين إلى إشباعات الرضاعة إياها التي تغذي بدن أطفال ليسوا مثله، ولا يشبهون عقله الملتهب بالأسئلة عما نحن فاعلون...
التقدّم والتخلف في ميزان العقل النيتشوي
ينفر «نيتشه» من ذوق العامة المنفعلة فرحاً بما لا يفرحه، والتي تحزن على ما لا يحزنه في أحاسيسه الموغلة إلى أعماق مسطحاتنا الفكرية. بهذا المعنى، إن «نيتشه» عصي على كل تفسير ينحو به ناحية البشر العاديين، فلا يصح قياس عقله على ما في رؤوس الناس. كما لا ينفع التمثّل بما يشعر به مقاربة مع مشاعر السواد الأعظم من الجماهير، فلا الموسيقى التي أعجبتهم تعجبه، ولا ما يعتبرونه فكراً هو تفكّر في قاموس عقله الذي ذهب إلى الحدّ الذي انتفض فيه على كل القيم والمفاهيم التي ما زلنا نعتبرها إنجازاً سياسياً مهماً، عقب الثورة الفرنسية.
فالمساواة والعدالة الاجتماعية كما المواطنة، لا تشكّل بنظره تقدماً، وإنما تراجع عن الذوق الأرستقراطي الرفيع للحضارة اليونانية وانحطاط عنها، لأنّ الخاصّة لا تتساوى مع العامة، ولا ذوق المبدعين يتوازى مع ما تستأنس به العامة. أمّا الظلم فهو في ما كرّسته الثورة الفرنسية عندما جعلتنا متساوين بما لا تتساوى به المخلوقات التي تستمدّ كينونتها من اختلافها وتنوعها وتعدديتها، ليس إلّا...
إنه «نيتشه» إن كنتم تجهلون، فيلسوف «العود الأبدي»، فالأشياء تتكرر على المنوال نفسه دوماً، إلّا أنْ قوّة ذلك ليست مِنْ مبدأ التكرار في ذاته، وإنما من جهلنا نحن البشر بعودة الأشياء على ما كانته هي نفسها منذ زمن، كما أن تأثيرها المضاعف يتأتى من عدم درايتنا بالذي كان... وما سيكون...
انتفض «نيتشه» على فلسفة سقراط الداعية للفضيلة، لكونها مهّدت الطريق أمام الفلاسفة السائرين على ما شقته أوهام الأخلاق السقراطية...
غير أنه كان شديد الإعجاب بالذوق الأرستقراطي لسياسة أثينا عند الإغريق، لأنها رامت إلى إنصاف المميزين، كأسياد في جمهورية أفلاطون الذهنية، ومواطنين أحرار، لهم وحدهم حق انتخاب الطبقة الحاكمة في الواقع اليوناني القديم.


