أنت هنا

قراءة كتاب إضاءات نيتشوية - الجزء الثاني

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
إضاءات نيتشوية - منسيات فاضحة

إضاءات نيتشوية - الجزء الثاني

كتاب "إضاءات نيتشوية - منسيات فاضحة ج 2"؛ كنت أفضّل أن أترك هذا الكتاب بدون مقدمة أو استهلال، لا لأكسر القاعدة المتبعة في تأليف الكتب، وليس لأني لم أجد داعياً أصلاً، التمهيد لما تجب قراءته رأساً، بدون مقدمات كتلك التي من شأنها أنْ تُفسد على القارىء متعة است

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

نخبوية «محمود درويش» وشعبيته

البارحة مات «محمود درويش» شاعر الجماهير الغفيرة، بعد أنْ نظم في مراحله الأولى، قصائد ثورية عاطفية، ذاع صيتها بقوّة محاكاتها لمشاعر الناس وحماستهم، فأنشدوها في الساحات العامة، وغنوها في المناسبات السياسية، حتى كادت أنْ تتحول من فرط انتشارها إلى أهازيج فولكلورية، للقاصي والداني. رحل درويش، بعد أن فرّغ نصف عمره، ليمنع اختزاله إلى ناظم لأغانٍ شعبية وتراتيل دينية، ومن أجل ذلك خصص جلّ وقته لكي يستعيد نفسه منهم، ويصوب المغالطة المتشبثة بذوق العامة وعقلها، وأظنه كاد أنْ يقولها بالفم الملآن. «إسمعوني! أنا لست بكاتب لقصيدة أمي ـ ريتا ـ سجل أنا عربي» فأنا الآن كائن آخر فالتجربة استنفدت حماسي وأعادت إلي عقلاً هادئاً ومشذباً من أحلام الشباب وتهورات الفتية، فالوطن غالٍ، والأرض غالية، ومن أجل الغالي يمكن أن نفتدي بحياتنا الأغلى، قبل أن يستدرك لا ليتراجع وإنما ليصوّب غاية المتقاتلين أينما كانوا وحيثما حلوا، ليقول: إنّ ثمة على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

سرّ تراكم الثروة

تُحاك حول الأثرياء الجُدْد، قصص وحكايا حول مصدر ثرائهم، فيستثيرون شهية الألسن للاجتهاد والتكهّن حول مغزى تحوّلهم من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة الغنية، خلال فترة وجيزة، اختزلت سرّ استئثارهم بمبالغ مالية ضخمة، لن تؤتى من جهد طبيعي، ولا من قنوات عمل عادي، كسائر الناس. ثمّة في الأمر سرّ إذاً، ليس على ما تشطح إليه مخيلة البسطاء، ولا هو بمعجزة «إفتح يا سمسم لـ مغارة علي بابا والأربعين حرامي». فالثري، أو بالأحرى، جل الأثرياء يتسمون بالكتمان الشديد، حرصاً منهم على ألّا يبوحوا بالسرّ ليحتكروا السبب، سبب استحصالهم عل ما يحسدهم عليه الآخرون.
فالأحاديث والحكايا التي تنتشر حول ثروة الغني هي بمثابة الغبار الذي يحتاجه مثل هؤلاء للتمويه، ليستمر هو بجمع المال... وهم بسرد الحكايا عن سرّ تراكم ثروته...!!

«دوستويفسكي» فيلسوف علم النفس الأول

لو قُيض لـ «دوستويفسكي» في ألّا يرتكب «راسالنيكوف» بطل روايته الشهيرة (الجريمة والعقاب) جريمته الشنعاء بالساطور، لكان بالتأكيد غير قادر على أن يستنبش العلائق الرهيبة الكامنة في أروقة النفس الإنسانية التي تتصارع مع نفسها، وتتناقض مع ذاتها على نحو تدفقي، لا يحدّه زمن قاطع ولا لحظة حاسمة. وذلك لأنّ جبلة البشر، لا تَرْتَكن إلى صفة مانعة وجامعة ما دامت تحيا على ما يغتلي في الذات من تناقضات فاعلة ومنفعلة بأسباب ومسببات، لا يمكن إحصاؤها في رقم، أو تعينها في وصف.
«دوستويفسكي» أجاد التقاط الأثر السرمدي لاعتلال النفس، إنه شيء أزلي يتجاوز الأمكنة والأزمنة ذاك الذي ينجم عن رغبة، أو نزوة سلوك متهور، يصوّره لنا شخص قرّر بأن يعاقب أناه على ما ارتكبته في لحظة، لكي يحرّر لحظاته المتبقية ويخلّصها من همّ تبكيت الضمير. الخوف ـ الرعب ـ الشفقة والقرف. وهذه واحدة من قضبان سجن الذات الأبشع والأقسى من زنازين العالم كلّه.

الصفحات