"اليسار اللبناني وتجربة الحرب"؛ هذا الكتاب جزء من مشروع لدراسة تجربة الحرب في لبنان بوصفها حدثاً اجتماعياً شاملاً لا يقتصر على الأحداث السياسية العامة. الأحزاب بفكرها وتكوينها وممارستها الداخلية وجه من وجوه الحرب.
أنت هنا
قراءة كتاب اليسار اللبناني وتجربة الحرب
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الفصل الأول
الخلفية التاريخية لنشوء اليسار الجديد
رياح التغيير
اجتمعت في الأفق اللبناني أواسط ستينيات القرن الماضي عناصر عديدة نقضت التسوية التي أعقبت أحداث 1958.
انتخب اللواء فؤاد شهاب لرئاسة الجمهورية (1964 - 1958) باتفاق مصري أميركي عشية ثورة تموز العراقية (14 تموز 1958) التي قطعت الطريق على الهجوم الأميركي (انزال قوات المارينز في الأردن ولبنان).
تحفّظت القوى الاسلامية التي شاركت في النزاع الاهلي عام 1958 على اختيار قائد الجيش ومن خارج النادي السياسي للرئاسة، وشعرت القوى المسيحية بالاحباط لخسارة الرئيس كميل شمعون معركة التجديد، ودقّت اجراس الكنائس حزناً في بلاد كسروان عند التسلّم والتسليم بين الرئيسين.
قامت التجربة الشهابية على احتواء المد السياسي الشعبي الناصري الذي خض الشارع اللبناني كما خض معظم شوارع البلدان العربية.
فرضت الناصرية حضورها في لبنان كما استنتج الرئيس شهاب في حديث مع موريس دوفرجيه (النهار 1973 /14/29) لأنها قدمت المخرج للجماهير الاسلامية التي كانت تتحمل الثقل الأساسي للتفاوت الاجتماعي.
جاءت التسوية على ركيزتين: مجاراة السياسة الخارجية لجمال عبد الناصر، وخطوات إصلاحية هدفت إلى دمج المسلمين عضوياً في الكيان اللبناني بتعزيز ولائهم للبنان بردم التفاوت الاجتماعي وتعزيز شراكتهم في السلطة.
عملت الشهابية على توسيع التمثيل السياسي بزيادة عدد مقاعد البرلمان إلى 99 نائباً ووضعت قانون الانتخاب لعام 1960 ووزعت الدوائر الانتخابية بما يؤمن التوازن بين القيادات السياسية والطائفية وإشراك الطبقة الوسطى.
واقرت المناصفة في الادارة بين المسيحيين والمسلمين وانشأت مؤسسات للرقابة (مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي) التي حدت من نفوذ «الاقطاع السياسي» وفتحت آفاقاً للكفاءة. وتطلعت إلى «الأطراف والملحقات» بالخدمات الأساسية في البنى التحتية ووضعت موازنات للدولة خارج منطق التقاسم السياسي، وفتحت السوق اللبناني خارج بيروت وجبل لبنان للتوسع الرأسمالي. وأقرت الشهابية بدولة الرعاية الاجتماعية ضد المنطق الكتائبي القائل بوجوب «تساوي الالتزامات مع الحقوق» وعدم تحميل المسيحيين الذين يدفعون ثمانين في المئة من الضرائب أعباء التنمية الاجتماعية لمصلحة المسلمين. (بيار الجميل - لبنان واقع ومرتجى 1954 رداً على مطالب الهيئات الاسلامية).
التفتت الشهابية إلى الادارة وهي الذراع الأساسية للدولة وقامت بتحديثها وتفعيلها واستقطاب الكفاءات لها وضبط التوازن الطائفي فيها، وجعلت من المؤسسة العسكرية (الجيش) والأمن (المكتب الثاني - المخابرات) حزب الدولة الأساسي واستخدمته في إدارة الحياة السياسية وضبط توازناتها.
كونت الشهابية لنفسها نخبة سياسية عسكرية ومدنية مؤيدة وكتلة نيابية وازنة عرفت باسم «النهج» من غير أن تشكل تياراً سياسياً شعبياً منظماً. وخلقت الشهابية لنفسها بالمقابل صفاً واسعاً من الخصوم عملوا على تقويضها.
حاول فؤاد شهاب السيطرة على الحياة السياسية بتشجيع ودعم شخصيات موالية لنهجه واستبعاد معارضيه فتدخل في الانتخابات النيابية وأقصى ريمون إده وكميل شمعون في انتخابات 1964 ودعم ثنائي بيار الجميل وكمال جنبلاط. فلا المعارضون ارتاحوا لسياسته، ولا الموالون الذين وقعوا أسرى الادارة الأمنية للسلطة.
أما البرجوازية الكبرى فقاومت سياسته الاجتماعية، والأحزاب المدنية كانت تتبرّم من قبضته الأمنية ولا سيما بعد محاولة الانقلاب الذي قاده الحزب السوري القومي الاجتماعي نهاية عام 1961.
دعم فؤاد شهاب حزب الكتائب (بيار الجميل) ضد التقليد المسيحي، والحزب التقدمي الاشتراكي (كمال جنبلاط) ضد التقليد الاسلامي، وأسند رئاسة الحكومة لرشيد كرامي في وجه صائب سلام وآل الصلح، وصبري حماده ضد كامل الاسعد في رئاسة مجلس النواب وكان ذلك بمثابة تجديد للقوى السياسية من جهة، ونالت دعم عبد الناصر من جهة ثانية.
وما أن شارف عهد الرئيس شهاب على الانتهاء (1964) حتى أطلقت موجة مطلبية اجتماعية تصاعدت حتى السبعينيات، وظهرت في المحيط الاقليمي مؤشرات لاستئناف الصراع الدولي (حرب اليمن، ومحاولة إسرائيل تحويل مجرى نهر الاردن).
عزف الرئيس شهاب عن تجديد ولايته المضمونة بأكثرية 74 نائباً من 99، وترك خلاصة قاسية عن فشل المؤسسات السياسية. تصدى أحد النواب الموارنة (الأب سمعان الدويهي) للمطالبين بالتجديد مهدداً بانتفاضة مسيحية. وسرت في أوساط الموارنة موجة من التذمرات لم يطل الوقت حتى عبّرت عنها الكنيسة بمواقف واضحة.
خلف الرئيس شهاب وبدعم منه، رئيس مثقف وسطي أكثر إصغاء لمزاج المسيحية المحافظة. تسلم الرئيس الجديد شارل حلو (1964) مقاليد السلطة لحظة تصاعد التوتر العربي الإسرائيلي في المنطقة.


