أنت هنا

قراءة كتاب العقل سفر في عالم مجرد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
العقل سفر في عالم مجرد

العقل سفر في عالم مجرد

كتاب " العقل سفر في عالم مجرد " ، تأليف ماهر أبو شقرا ، والذي صدر دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

ما قبل العقل

البداية

تقف مذهولاً أمام عظمة الكون، ثم ما تلبث أن ترتعش أمام عمق أسراره، فتسلّم أمره للمجهول وتعود إلى شؤونك اليومية حيث تفقه ما يجري من حولك. فالكون لايزال سرّا ًمنذ أبصرت البشرية نور الحياة. لاتزال البشرية منذ الأزل تتفحصّ الكون، تتأمل في عظمته، تترقب الأفلاك والنجوم، وتصوغ الآداب والنظريات حول التكوين وسرّه. ومن هذا الجهل ظهرت الفلسفات والديانات، منها ما تداعى أو تلاشى أثره ومنها ما بقي حتى يومنا هذا، والكون صامد أمامنا وحولنا وفينا، صامت أبداً...

***

دأبت معظم الفلسفات التي ظهرت على مر العصور على تأمل الحياة واستخلاص الاستنتاجات، فإذا بالحياة تنتج ما لا يحصى من النظريات حول التكوين والحياة والإنسان. فكانت هذه النظريات بمعظمها نتاج الحياة نفسها التي سعت تلك الفلسفات إلى سبر أغوارها وفك طلاسمها، فتراها أتت مغموسة بنقيع المجتمعات التي ظهرت فيها، منكهة بروحها وتفاصيلها، محددة بإطار ما يدركه العقل الإنساني الذي أنتجها كما أتاحت له الحياة التي يعيشها أن يرى ويستنتج. والأمر نفسه ينطبق حتى على الفلسفات الجدلية الكلاسيكية التي جانبت الحسم في نقطة البداية، بداية الوجود، فعزت الأمر إما لخالق مفترض، وإما لمصادفة لحظية. والواقع هو أنها انغمست في تحليل الحياة نفسها على حساب التأمل في العوامل المجردة، تلك التي لا يدركها إلا الوعي المجرد، عبر ارتقاء الوعي إلى ما فوق عمل العقل في الحياة والمجتمع، الموضوع الذي سنغوص في تفصيله في فصل لاحق من هذا الكتاب.

بعض الفلسفات في شرق آسيا كالبوذية مثلاً، استندت إلى تجريد الوعي في مقاربتها للوجود(*)، غير أنها انسلخت عن المجتمع عبر ممارسات يغلب عليها التنسك عوض العمل على تطوير المجتمع، لتتطبع بالتالي بمفاهيم الحياة البشرية وفق الطريقة التي دأب البشر على فهمها وعيشها ليتجلى ذلك بمستويين. الأول في تغليب السعادة والسلام الذاتي على حساب المجتمع، والثاني في غوصها في الصراع غير الجذري الذي انطبع به المجتمع الإنساني منذ بدايته الأولى من موقعها كديانات تختلف وتتناقض مع ديانات أخرى.

أما الفلسفات اللاإلحادية السماوية، فقد جردت مفهوم التكوين لديها من العوامل الموضوعية المجردة بذاتها، لتسنده إلى خالق مفترض وفق منطق «السببية»، وبما يتماشى مع محدودية العقل البشري بحسب ما يراه في حياته اليومية ووفق ما يتلاءم مع رؤيته وتصوراته. ببساطة، لكل شيء سبب.

لقد دعمت معظم الفلسفات اللاحقة، حتى الإلحادية منها، هذه المقاربة للتكوين – أي السببية – فغرقت في البحث في المسببات. واستندت الفلسفات الدينية السماوية إلى فرضية أن الخالق هو أساس لكل وجود وسبب كل جماد و ارتعاشة في الكون. غير أن هذا المنطق لا يلبث أن ينفي نفسه بنفسه عندما يصطدم بآخر حلقة من سلسلة الخلق المفترضة، الخالق. فإن كان لكل وجود خالق، فمن خلق الله؟

******

الصفحات