أنت هنا

قراءة كتاب العقل سفر في عالم مجرد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
العقل سفر في عالم مجرد

العقل سفر في عالم مجرد

كتاب " العقل سفر في عالم مجرد " ، تأليف ماهر أبو شقرا ، والذي صدر دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 7

في الظاهر، هناك طرحان متناقضان مدعمان بالحجج المطلوبة التي دائماً ما ستبدو محقة تماماً. ومتانة كل من الطرحين لا ترتكز على اشتمال الطرح على أكبر كم ممكن من التفاصيل والتعقيدات بشكل يجعله يقترب من الكم الهائل من التفاصيل والتعقيدات الموجودة في الواقع والتي لا سبيل لا لحصرها ولا للاقتراب منها. إنما متانة الطرح ومدى رسوخه في العقل الجماعي الذي ينطلق منه ويدعي تمثيله هذا الطرح إنما تكمن في مدى ذاتيته واشتماله على أقل كم ممكن من التفاصيل الخطية المتسلسلة والمتراصة التي تخلق قالباً فكرياً سياسياً متيناً، تفاصيل قليلة كلها تنبع من منطلقات سياسية فكرية معينة.

ذاك في الظاهر، أما في الواقع الموضوعي، فإن كلا الطرحين المتخاصمين إنما يعبران عن مصالح فئة مسيطرة، فئة تستعمل هذا الاستقطاب العصبوي للتعمية على الاستغلال الذي تمارسه، ولحماية مصالحها ونفوذها ومكتسباتها.

*

وعلى ذكر هذا الموضوع، فإن الأحزاب، جميع الأحزاب والعصبويات، إنما تبنى على هذه التفاصيل الخطية الذاتية. وكلما ضاقت التفاصيل وتمتنت في قالب ضيق متراصٍّ قليل التفاصيل، زاد منسوب العصبوية والتنظيم لدى الحزب، وزادت قدرته على التجييش، وحتى على الوصول إلى السلطة بشكلٍ موقت.

بالمقابل، فإن قدرة هذا الحزب على إحداث تغيير حقيقي في الواقع الموضوعي السائد دائماً ما ستكون معدومة مع عدم قدرة العقيدة المبنية على جانب ذاتي ضئيل بتفاصيل قليلة ينقصها الشمول والموضوعية على الإلمام بواقع لا نهاية لتفاصيله ولا سبيل لحصرها. ولعل السرعة والقوة الهائلة التي وصل بها النازيون إلى السلطة في ألمانيا، وكذلك السرعة التي سقطت فيها النازية هي أفضل مثال يمكن أن يعطى في هذا الإطار. حتى أن هتلر قد شدد في كتابه الشهير «كفاحي» على ضرورة أن يصطبغ الخطاب السياسي للحركة السياسية الناجحة بطابع عاطفي وأفكار مباشرة بسيطة وتفاصيل قليلة ممنهجة وموجهة. أن يكون خطاباً يدغدغ مشاعر عامة الناس وليس موجهاً للسياسيين والصحافيين والأساتذة والمفكرين.

إن الواقع أعقد بكثير مما نعتقد، أعقد وأكبر من أن تشتمل عليه عقيدة أو فكر مبني على شذرات من عالم كبير لا نهاية لتفاصيله.

***

أمراض... ولا علاج

لا عجب في أن جميع الأمراض المستعصية التي نعرفها اليوم لاتزال بلا علاج. فمنطق السببية حتم ضرورة البحث عن المسببات لشتى الأمراض المستعصية، والذي يفضي بالتالي إلى دوامة وحلقة مفرغة لا طائل منها، ولا خروج منها عبر المنطق نفسه. فالمنطق السببي الخطي جعل يغوص في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل التي لا تنتهي أبداً على حساب المنظور الموضوعي العام الجدلي ضمن وحدة الوجود بجميع عناصره. وها نحن اليوم على بعد أكثر من عقد على اكتشاف الخريطة الجينية، نرى بعض العلماء يقولون بأن توقع الأمراض من خلال الجينات لم يحدث قفزة نوعية مقارنة بأساليب التوقع التي كانت تستخدم في السابق كتاريخ العائلة المرضي، وأسلوب الحياة، والعوامل الأخرى، موضوع نشر في عددٍ من الصحف والمجلات العالمية العامة والمختصة...

إن السببية، حتى ولو أوجدت علاجات، فهي تعزز تناقض المرض مع الجسد، وتؤسس لأشكال أخرى من المرض نفسه أكثر مناعة ضد العلاجات، أو لأمراض جديدة أقوى، وتستمر الدوامة التي لا تخدم أللهم إلا أصحاب الشركات المنتجة للعقارات والأدوية. إن جل ما تفعله الصناعة الدوائية العلاجية والمرتكزة على السببية بشكل أساسي هو تدريب الأمراض والبكتيريات والخلايا الخبيثة وتعليمها بحيث لن يعود جهاز مناعتنا يقوى عليها في المستقبل. ثم إن الأدوية المستعملة في العلاجات، وخصوصاً بما يخص الأمراض المزمنة وما عصى منها على الشفاء، تجدها تتناقض في تكوينها مع وحدة مكونات الوجود وتكاملها والعلاقة الجدلية فيما بينها. فجميع الأدوية تتكون من خلاصات اجتزئت من كل متكامل في الوجود، فلا عجب أن دورها وفعاليتها العلاجية على المدى الطويل ضعيفة. كثيراً ما نسمع عن أطعمة لها فوائد علاجية لمرض ما كالعديد من أنواع الفواكه والخضار. وسرعان ما يقول المنطق السببي الضئيل إن «سبب» ذلك هو وجود المادة الفلانية في ذلك النوع من الفاكهة مثلاً. ثم تبدأ عملية استخراج وتحضير أدوية وعقاقير مضادة للمرض من خلاصات هذه المادة المستخرجة من الفاكهة تلك على سبيل المثال، فتجزأ مكوناتها. ثم لاحقاً ما تظهر أن فعالية هذا العقار أقل بكثير مما كان متوقعاً... في الواقع، إن جل ما قامت به هذه العملية هو تجزئة المكونات الطبيعية للفاكهة تلك، والتي كانت فعاليتها الوقائية هي جزء من تركيبتها الطبيعية مع المكونات الأخرى وبالنسبة الضرورية المطلوبة. بينما تجزئة مكوناتها إنما هو عبارة عن تعزيز للتناقض البنيوي مع الطبيعة، فضلاً عن أنه يدرب المرض بجرعات كبيرة عوضاً عن تدريب وتطوير جهاز المناعة.

لا ريب أن الحل ليس في هذا! وفي وقت يحتاج هذا الموضوع إلى الكثير من الأبحاث والتجارب، غير أن إيجاد علاجات للأمراض المستعصية لا بد أن يرتكز على مفهوم أساسي: «وحدة عناصر الوجود»، وحدة الوجود ذاته، وعدم تقسيط مكوناته وتقسيمها بين مسببات ونتائج. ربما من خلال الاستفادة من قوة المرض للتغلب عليه عوض تعزيز التناقض بين المرض والجسم يكون العلاج، أو من خلال إعادة هيكلة الجسم وجهازه المناعي... إن الكثير من الأطعمة المصنعة والمواد التي نستعملها في حياتنا اليومية لا شك تعزز التناقض بين الجسد والأمراض، وبالتالي فإن العودة إلى الطبيعة، وإعادة الاعتبار للحمة الطبيعية بين الإنسان والأرض من حيث أن جسده جزء لا يتجزأ منها، قادر تماماً على وقاية الإنسان من شتى الأمراض، وحتى العلاج منها. لا شيء في الطبيعة لا يصحح...

الصفحات