أنت هنا

قراءة كتاب العقل سفر في عالم مجرد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
العقل سفر في عالم مجرد

العقل سفر في عالم مجرد

كتاب " العقل سفر في عالم مجرد " ، تأليف ماهر أبو شقرا ، والذي صدر دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

السببية وعلاجات اضطرابات العقل

لقد أسهم منطق السببية وهيمنته على الفكر الإنساني لمئات القرون في إرساء نوع من الخمول والإذعان للواقع المرئي أو المحسوس، وأضعف الإيمان بالذات وبالقدرة على التغيير الشامل الذي يحتاج للإرادة القوية التي لا تتماشى مع التسليم لمشيئات الحاضر، أو الخالق المفترض. كما وأن سيطرة المنهج الذهني السببي أسهمت في تعزيز الاضطرابات الذهنية، اضطرابات العقل، كالقلق والإحباط المزمن وغيرها، وأضعف من القدرة على تخطيها وأفسحت في المجال أمام استخدام الأدوية والعقاقير كحل مفترض لهذه الاضطرابات، وبالتالي في مراكمة رؤوس الأموال لدى غير مستحقيها ممن يستغلون آلام البشر ومعاناتهم. فالمنهج السببي الذي، كما أسلفنا، يرتكز على التفاصيل ضمن وجود لا نهاية لتفاصيله، يجعلنا أمام كم هائل من المعطيات التي تعزز أوهامنا ومخاوفنا وأحزاننا، تعززها بشكل قاطع لا يقبل الشكّ. نحن نميل دائماً إلى إثبات أفكارنا، إلى البحث عما يعززها وليس ما ينقضها. لقد دأبنا على التدرب على ذلك لمئات القرون، ووسط لا نهائية التفاصيل في الوجود، فنحن دائماً أمام وسعة هائلة من الأسباب والتفاصيل التي تجعل من أفكارنا تظهر كواقع غير قابل للشك أبداً. ثم إن منهج السببية عينه يركز فكر الإنسان على المسببات التي أدت إلى اضطراب ذهني أو نفسي، وذلك على حساب التفكير والعمل على تخطي هذا الاضطراب، وكأنه ليس للمرء عقل أو إدراك حتى يتخطى الأفكار السلبية. فترى من يعاني مع اكتئاب وإحباط مزمن مستسلماً إزاء حدث معين أو مجموعة أحداث تجسد واقعاً معيناً يعتقد أنها أدت به إلى حاله التي يعتقد بأنها مزرية. وذلك عوضاً عن العمل على تخطي هذا الأمر. أو تجده مستسلماً إزاء فرضية تقول باضطراب في كيميائيات دماغه أدت إلى «مرض نفسي» معين، وبالتالي الذهاب في ديباجة علاجية من خلال الأدوية لعلاج هذا الاضطراب المفترض. إن البحث والتركيز على مسببات الأمور وإغفال وحدة جميع مكونات الوجود المتناقضة وتوازنها قللت من احتمال تخطي المصاعب، فأصبح البحث وعلاج المسببات هو المسلك المعتمد، وليس في ذلك صواب. وهذا المنطق – أي منهج السببية - الهدام جعل الإنسان بعيداً عن إيمانه وإحساسه بأنه جزء من كون واحد موحد...

***

السببية والنظريات العلمية

تقرأ في الكتب العلمية، وإذ تطالع النظريات وكيف تصاغ، وإذا كنت في وضع ذهني متفتح وتنطلق من منهجية تشكيكية، فحتماً إن أول انطباع سيتكون لديك هو أن سائر النظريات إنما تصاغ عبر تدوير الزوايا وإغلاق المنافذ والثغرات والتحصين بما ينسجم مع المنطلقات الفكرية التي ينطلق العالِم منها. إن كل ظاهرة جديدة أو طارئة إنما يجري تفسيرها بالاستناد إلى هذه المنطلقات الفكرية والنظرية، من خلال ممارسات أكثر ما تشبه الإفتاء، وإذا احتاج الأمر فإن بعض العناصر و التعديلات تتم إضافتها حتى تحصَّن النظرية في وجه كل خطر قد يحدق بها، بغض النظر عن المسعى الأساسي المفترض: «معرفة الحقيقة»... يجري تحصين النظريات في وجه كل خطر معروف، لكن ماذا عن غير المعروف؟ ماذا عن المجهول؟ إنه لمن ذلك «المجهول» دائماً ما يأتي ما سينقض كل نظرية مرتكزة على السببية عاجلاً أم آجلاً...

الصفحات