كتاب " رسائل فلسفية " ، تأليف فولتير ترجمه إلى العربية عادل زعيتر ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب رسائل فلسفية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

رسائل فلسفية
تقديم : جون لي
قُبيل نهاية الرسالة الثالثة عشر من "الرسائل الفلسفية"، يقول فولتير:
"... وما أقول! إذا ما جُمِعت جميعُ كُتُبِ الفلاسفة في الأزمنة الحديثة لم نجدها قد أحدثت من الضوضاء في العالم ما أحدثه جِدالُ الكُرْدِلْيِه، فيما مضى حوْل شكلِ كُمِّهم وغِطاء رأسهم". (صـ 100)
قَوْل فولتير بأن كل الكتب التي يكتبها الفلاسفة، أو تُكتَب عنهم، مقدَّر لها أن تكون تافهة تماما، يهدف بلا شك للجم وتحييد النقّاد الذين كان يعلم أنهم يحومون حول عمله. ولكن إن كان يتوقع أن النقاشات الفلسفية التي يثيرها الكتاب يمكن أن تُرفَض أو أن يتم تجاهلها، لكان سيشعر بالإحباط.
نُشِر هذا العمل لأول مرة في عامي 1733 و1734، بعد عدة سنوات من تَرْك فولتير لإنجلترا عام 1728."رسائل فلسفية" أو "رسائل عن الوطن الإنجليزي" (لأنه نشر بالإنجليزية والفرنسية) طُبع بطبعات عديدة طوال القرن الثامن عشر، وأصبح واحدًا من أكثر الكتب مبيعًا في عصره. وجلَبَ أيضا لفولتير متاعب حقيقية. نَشْر كتاب "الرسائل الفلسفية السياسية النقدية الشعرية المهرطقة الشيطانية" (إذا استخدمنا العنوان الممتد الذي أطلقه فولتير بِمَرَح على الكتاب الملعون) أجبره على ترك باريس والاتجاه إلى سيري، على حدود فرنسا واللورين، وقد كانت دوقية صغيرة مستقلة غير مرتبطة تماما بفرنسا*.
بشكل بارز، حتى وهو يؤكد للقارىء أن الفلاسفة غير مؤذين على الإطلاق، لا يستطيع فولتير مقاومة قول تعليق عن المسيحية، وبشكل خاص، عن الفرنسيسكان المعتدّين بأنفسهم والعنيدين. وقد جلب نقد فولتير اللاذع للكنسية وإساءاته لرؤى الكنيسة وسياساتها – معارضتها للتطعيم، ورفضها تقديم دفن مسيحي للممثليين، وعدم تسامحها، ورضاها عن نفسها – العديد من المشكلات. ولكن فولتير جرُؤ أيضا على مدح إنجلترا، عدوّة فرنسا التقليدية؛ هذا استدعى جَرْح المشاعر الفرنسية التي لم يجرحها الهجوم على الدين.
في "رسائل فلسفية"، وكما يتضح من المثل السابق، يتحرك فولتير بين المجاملات اللطيفة، والشروح الحذرة، والتعليقات الساخرة العنيفة في نَفَس واحد. أحيانا يختم رسائله بالعودة إلى النثر المُخادع، الذي يخفي فيه جهله الظاهري لمقصَده المتهكِّم. مثال جميل يظهر في نهاية الرسالة العاشرة، إذ يقول فولتير إنه ضحية لعدم اليقين:
"... ومع ذلك فلا أدري أيُّ الرجلين أكثرُ نفعًا للدولة: السِنْيورُ ألمبوْدَر الذي يَعْرِف وقتَ نُهُوضِ الملك ووقتَ نومه بكلِّ دقةٍ وينتحل أوضاعَ العظمة بتمثيله دَوْرَ العبدِ في غرفة انتظار الوزير، أم التاجرُ الذي يُغْنيِ بلدَه ويُصْدِرُ من غرفته أوامرَ إلى سُورَت أو القاهرة أو يساعِدُ على سعادة العالَم ". (صـ 79)
نرى أن فولتير، عندما يُحَوِّل اهتمامه من النبيل إلى التاجر، تتغير بنية جملته ومصطلحاته قليلا. فهو عندما يصف النبيل يسهب في بعض التفاصيل الإضافية (يرتدي باروكة بيضاء، يعرف وقت نهوض الملك ووقت نومه بكل دِقّة..) في إشارة إلى وجوده غير الضروري. وبينما عندما يصف نشاط التاجر، يستخدم فولتير أوصافا وظروفا مناسبة، ويتحول أسلوبه إلى أسلوب مقتصد.
تَشَكُّك فولتير الظاهري هنا، وفي أي مكان آخر، يبدو أنه يستحث قرَّاءه، الذين سيقومون كما هو متوقّع بتشغيل عقولهم والوصول إلى أحكامهم، بدلا من التصديق على أحكام الكاتب. بالطبع هو يوضح نقطة جادة وجدلية عن قِيَم الحياة في كل من البلاط وميدان التجارة، ويدعونا إلى المشاركة في الجَدَل.
أثناء كتابة رسائله من إنجلترا إلى فرنسا، وضع فولتير في الميزان القِيَم المتكافئة ظاهريا، قبل أن يتقدم ليخل هذا التوازن بحَذَر تدقيق ولكن بإصرار. بالضبط كما تظاهر بالتردد بين النبيل والتاجر في نهاية الرسالة العاشرة، بالتالي يضع مع بداية الرسالة الرابعة عشر الأنساق الفلسفية المختلفة جنبا إلى جنب، وكأنها جميعا مقبولة بشكل متساو، النظريات الخاصة برينيه ديكارت وإسحق نيوتن، المفكِّرَين الفرنسي والإنجليزي المتنافسَيْن. يصف فولتير تصورّهما المتعارضَين للكون وكأن الاختلافات بينهما محلية. لهجة فولتير بريئة كسائح فرنسي في لندن يكتب لإهل وطنه أن الإنجليز يقودون سياراتهم على جانب من الطريق يختلف عن الجانب الذي يقود عليه الفرنسيون. هذه الاختلافات المتعسِّفة تبدو صائبة ومعقولة في الوقت نفسه.
"إذا ما وصل الفرنسيُّ إلى لندن وجد تبدُّل الأمور في الفلسفة وفي كلِّ ما سواها، ولا غرْوَ، فقد ترك العالم زاخرًا، ووجده فارغًا، ففي باريس يُرى الكوْنُ مؤلّفًا من زوابع من المادة الدقيقة، ولا يُرى شيء من هذا في لندن (...) في باريس تُصوِّرون الأرض مصنوعةً كالشّمّامة، وفي لندن تُصوّر مُسطّحةً من الطرفين". (صـ 101)

