كتاب " رسائل فلسفية " ، تأليف فولتير ترجمه إلى العربية عادل زعيتر ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب رسائل فلسفية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

رسائل فلسفية
ويُطْلقُ، فيجُوبُ الحُقُول مع نفرٍ من المهتدين حديثًا، ويعِظُ ضِدّ الإكليروس دائمًا فىُجْلدُ حينًا بعد حين، ويُرْبطُ على عمُود التشهير ذات يوم، فيخْطُب في الجُمهور بما أُوتِي من قوة، فيُسْفِرُ هذا عن هداية خمسين من المستمعين، وهو يبلُغ من اجتذاب الباقين ما يُنْقذُ معه من الحُفرة التي كان فيها، ويُبْحث عن الكاهن الأنجليكانيّ الذي أدّى إلى الحكم على فُوكْس بذلك العِقاب، ويُشدُّ إلى عمُودِ التشهير بدلًا منه.
وكان من الجُرْأة ما حوّل معه بعض جنود كُرومْوِيل إلى مذهبه، فتركُوا حِرْفة السلاح ورفضُوا تأدية اليمين، وما كان كُرومْوِيلُ لِيُريد وجود طائفةٍ لا تقول بالقتال مطلقًا، شأن سِيْست كِنْت الذي كان يتطيّرُ بطائفة لم يُنادِ فيها إلى الطِّعان. فيلجأ إلى سلطانه في اضطهاد هؤلاء الطائرين، ويملأ السجون بهم، غير أن الاضطهادات لم تصْلُح لغير صُنْعِ مُهْتدين جُدُدٍ تقريبًا، وذلك أنهم كانوا يخْرُجون من السجون ثابتين على العهد متبوعين من قِبلِ من هدَوْا من السّجّانين، ولكنْ إليك أكثر ما ساعد على انتشار المذهب، وذلك أن فُوكْس كان يعتقد أنه مُلْهِمٌ، فرأى وجوب كلامه بأسلوبٍ يخالف أساليب الآخرين، ويأخذ في الارتجاف والتّشنُّج والتقطيب وحبْسِ النّفس وإخراجه بشِدّة، ولم تكُنْ كاهنةُ دِلْف لتفْعل أحسن من هذا، وينالُ في زمنٍ قليل عادةً في الإلهامِ كبيرةً، ولم يلْبثْ أن صار عاجزًا عن الكلام على وجهٍ آخر، وكانت هذه أول هِبةٍ حَبَا بها أتباعه، وهم زووْا ما بين عيونهم على غِرار مُعلِّمِهم كان هذا عن حُسْن نيةٍ، وهم يهْتزُّون بما أُوتُوا من قوةٍ حين الإلهام، ومن هنا تسمّوْا بالكُوِيكر، أي بالمرتجفين، ويرتجفون ويخنُّون ويتشنّجُون، ويُعْتقدُ تدارُكُهم بالبوح القُدُس، وكان لا بُدّ لهم من معجزاتٍ، فأتوْها.
قال الأبُ فُوكْس لقاضي الصلح أمام جمعٍ كبير: "يا أيها الصاحب، احْذرْ، فالرّبُّ سيُعجِّل لك العقاب من أجْلِ اضطهادكِ أولياءه"، وكان هذا القاضي سِكِّيرًا شاربًا للجِعة الرديئة والخمرة ليل نهار، ويُمُوت بداء السكتة بعد يومين، كما لو كان الحادثُ مِثْل إمضائه أمرًا بإرساله بعض الكُوِيكر إلى السجن، ولم يُعْزَ هذا الموتُ الفجائيُّ، قطُّ، إلى إفراط القاضي، بل عدَّه جميعُ الناس نتيجةً لنُبُوءة ذاك الِقدِّيس.
وقد نشأ عن هذه الوفاة من تحوّلٍ إلى الكُوِيكرية أكثر مما يؤدِّي إليه ألْفُ وعْظٍ وألفُ تشنُّج، ويُبْصرُ كرُومويلُ ازدياد عددهم يومًا بعد يوم فيُرِيد اجتذابهم إليه، فيعرِض عليهم مالًا فيجِدُهم أعِفّاء، ويقول كرُومْوِيلْ إن هذه الدِّيانة هي الوحيدة التي لم يستطع أن ينتصر عليها بالجُنيْهات.
أجلْ، إنهم اضْطُهِدُوا في عهد شارل الثاني أحيانًا، ولم يقعْ هذا بسبب دِيانتهم، بل نشأ عن عزمهم على عدم إيتاء الإكليروسِ زكاةً، وعن مخاطبتهم الْقضاة بصيغة المفرد، وعن امتناعهم عن تأدية اليمين كما يأمر القانون.
وأخيرًا يُقدِّم الإسْكتْلندِيُّ، روُبِرْت بارْكلي، إلى الملك رسالة "اعتذار الكوِيكر"، وكان هذا في سنة 1675، وكان الكتابُ أحسن ما يُمْكِن أن يكون، وتشتمل هذه الرسالةُ المُهْداةُ إلى شارل الثاني على حقائق جريئةٍ ونصائح صائبةٍ، لا على مُداهناتٍ دنيئة.
وقد قال في آخر هذه الرسالة: "لقد ذُقْت حلاوةً ومرارةً، كما ذُقت يُسْرًا وأقصى ما يكون من بلاء، وقد طرِدْت من البلاد التي تحْكُم فيها، وقد شعرْت بثِقل الضّيْم وبمقدار ما يكون الباغي ممقوتًا عند اللّه والناس، فإِذا ما قسا قلبك بعد الذي أصابك من مِحنٍ كثيرة وبركاتٍ وافرة، وإذا ما نسِيت أن اللّه ذكرك في نكباتك كان جُرْمُك عظيمًا ونِلْت عِقابًا شديدًا، ولذا فاستمع إلى صوْتِ الضمير الذي لا يخادعك مطلقًا، بدلا من الإصغاء إلى مُتملِّقِي بلاطِك، وتراني صديقك التابع المخلص: بارْكلِي".
وأغربُ ما في الأمر كوْنُ هذا الكتابِ مُوجّهًا إلى الملك من قِبل رجلٍ وضيعِ القدْر فاتّفق له من الأثر ما زال معه الاضطهاد.
الرسالة الرابعة
حُوْل الكُوِيكر
ويظْهرُ، حواليْ هذا الزمن، وِليم بن الشهيرُ الذي أقام سلطان الكُوِيكر بأمريكا وجعلهم محترمين في أوربا ما استطاع الناسُ أن يحترموا الفضيلة مُضْمرةً تحت ظواهر مثيرةٍ للسُّخْرية، وكان وِليم بن ابنًا وحيدًا للفارس بن، أي لنائبِ أمرِ البحر بإنجلترا والمقرب لدى دُوق يُورْك الذي صار جيْمس الثاني.
وقد حدث أن الْتقى وِلْيم بن، وهو في الخامسة عشر من سِنيه بكُوِيكريّ في أُكْسفُورد حيث كان يدْرُس، فأقنعه هذا الكُوِيكريُّ، ولم يلْبث الشابُّ النشيط، الفصيحُ بفطرته، والذي تدُلُّ سيماه وأوضاعُه على الشّرف، أن فاز ببعض زملائه، ويُقِيمُ، من حيث لا يدْري، جمعيةً من فِتْيان الكُويكر الذين كانوا يجتمعون في منزله، فيجِدُ نفسه رئيسًا لطائفةٍ وهو في السادسة عشر من عُمُره.

