كتاب " رسائل فلسفية " ، تأليف فولتير ترجمه إلى العربية عادل زعيتر ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب رسائل فلسفية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

رسائل فلسفية
في "أفكار" يكتب باسكال فقرة جميلة ومؤثرة عن زوال الحاضر وعدم قدرتنا على التفكير فيه، هذا عدا عن العيش بمعنى فيه. يقتبس فولتير: "... نحن لا نكاد نفكِّرُ في الحاضر مطلقًا، ونحن إذا ما فكّرْنا فيه فذلك لكي نقتبس من نوره ما نحكم به في أمر المستقبل" (الرسالة 25، صـ 188). لا يناقض فولتير رؤية باسكال، هو فقط يرغب أن يواجه افتراض باسكال الذي يقول إن هذه نتيجة مؤسفة ومأساوية. ومن دون الحاجة لتقدير بلاغة كلمات باسكال الحزينة، يرد فولتير كالتالي:
"... ولو كان الناسُ من الشقاء ما لا يبالُون معه بغير الحاضر ما زَرَعوا مطلقًا، وما غَرَسوا مطلقًا، وما استعدُّوا لشيء مطلقًا، ولأَعْوَزَهم كلُّ شيء بين هذا التمتع الخادع". (الرسالة 25، صـ 188)
في السنوات التالية، سيكمل فولتير حياته في ملكيته، كما لو أنه يؤكد هذه الرؤية هنا، فهو نفسه سيزرع ويحصد ويبني. فولتير مقتنع أن الإنسان مولود ليفعل. هذا النزوع لا يحفظنا فقط من النزوع الكئيب ولكنه مسئول أيضا عن دعم الوضع الإنساني. يؤدي الفعل إلى رؤى إمبريقية. التفكّر، حتى الاندفاعة المركزة من العقل، لن تؤدي الى اختراع اللقاح . فعل التفاحة الساقطة هو الذي أدى إلى فعل النظر ومحاكاة فهم الجاذبية.
ربما يستقر تفاؤل وطاقة فولتير في إدراك ما للإنسان وهو على الرغم من ذلك إدراك كئيب بطريقته. ليس على الإنسان أن يرى أو يتعجب من نفسه. الإنسان الفولتيري فارغ********. يعرض فولتير رؤية للإنسان والمجتمع بشكل ما دنيوي وخال من التوهم وأحيانا سينيكي******** حتى. ولكن إن كانت حقيقة أن المال والمصلحة الذاتية يتحكمان كما يبدو في العلاقات الإنسانية هي حقيقة مثيرة للأسف، يُظهِر فولتير أن هذه الدوافع يمكن أن تكون أداتية في بناء مجتمع عادل ومفهوم، بينما المُثُل الدينية التي تدعم هذا المجتمع تهب نفسها تماما وبشكل سهل للإيذاء. وكما يستطيع أن يكون سينيكيا من آن لآخر، يمكن لفولتير أيضا أن يكون متحمسا ومثاليا وحتى انطباعيا في وصف المجتمع التجاري الحميد أساسا.
خلالـ رصد سير التاريخ العقلي ومداره العشوائي في إنجلترا وأوروبا، يلحظ فولتير أن التقدم عادة ما يضمنه أفراد محظوظون بإيجاد أنفسهم، في الوقت المناسب، متفهّمين لاحتياجات أو أذواق عصر بعينه. مثل كاتب المسرح الذي اعتاد على تحديد جمهوره – وفي الحقيقة، الممثل المعتاد على النظر إليهم والتمثيل أمامهم – يتحدث فولتير بقوة وبإقناع إلى معاصريه، ولم يفعل ذلك بشكل أفضل مما فعله في "رسائل فلسفية". ولكن بالتطابق بشكل ناجح مع عصره واحتياجاته، يخاطر فولتير بالحصول على إعجاب العصور التي تليه. انتصاراته المتعددة والقبول الذي اكتسبه من معاصريه يمكن أن يجعله يدفع ثمَن بعض التقدير من العصور التالية. هذه حجة آثارها رولان بارت بشكل واسع في أفضل مقالاته – وإن كان مكروها قليلا – وهو مقال بعنوان "فولتير، الكاتب السعيد الأخير"********.
في الرسالة الثانية عشر، يقول فولتير عن كتاب فرانسيس بيكون "الأورجانون الجديد" أنه كان الرافعة التي بنيت عليها الفلسفة، وكان يدرك أن هذه الرافعات ذات غرض هام، وإن كان مؤقت. ومثلما وُضعِت حجج وآراء بيكون جانبا في النصوص اللاحقة، فإن العديد من المناقشات التي أثيرت وأغضبت فولتير على التوالي، من التطعيم إلى الجاذبية، توقّف الحديث عنها منذ فترة طويلة. ما تبقّى هو الذكاء والشجاعة والسحر الذي بنى عليه فولتير حججه، التي تظل مثالية وملهمة. وعلى الرغم من أنه يبدو أن لا أحد ردَّ على "الرسائل الفلسفية" لفولتير، فحقيقة أن رسائله كانت تُبعَث من جانب واحد ولا تتلقى ردًّا تسمح لنا بالنظر أكثر؛ إن قراءة هذه الرسائل تستمر في تزويدنا بردود خاصة بنا وبالتالي تجلب لها حياة متجددة.
جون لي
الرسالةُ الأولى
حوْل الكُوِيكر
********
لقد رأيتُ أن مذهب أمةٍ فريدةٍ كتلك وتاريخها يستحقان فُُضُول رجلٍ عاقل، وقد أردتُ أن أكون على بيِّنةٍ من ذلك، فذهبتُ لِلقاء رجلٍ من أشهر الكُوِيكر بإنجلترا زاول التجارة ثلاثين عامًا فاستطاع، بعد ذلك، أن يضع حدودًا لنصيبه ورغائبه، وانْزوى في ريفٍ قريب من لندن، وبحثْتُ عنه في ملْجئه فوجدتُ هذا الملجأ صغيرًا، ولكنْ مع حُسْن بِناء وكثْرةِ نظافةٍ وعطلٍ من الزُّخْرُف، كان الكُويكريُّ شيخًا ناضرًا لم يعْرِف المرضُ إليه سبيلًا، وذلك لأنه لم يعْرِف ألمًا ولا نهْمًا، ولم أبْصِرْ في حياتي، قطُّ، من هو أعظمُ منه نُبْلًا وأشدُّ جذْبًا، وقد كان مُرْتدِيًا، كجميع أبناء نِحْلته، رِداءً بلا مطاوٍ في الأطراف، وبلا أزرارٍ على الجُيُوب والأكمام، وقد كان لابسًا قُبّعةً كبيرة ذات حافاتٍ مُنْخفِضةٍ كالتي يلْبسُها قساوِستُنا، ويستقبلني وقُبّعتُه على رأسه، ويتقدّم نحوي من غير أن يقوم بأقلِّ حنْوٍ لِبدنِه، ولكنّ ما تُنِمُّ عليه طلاقةُ وجهه وبشاشةُ مُحيّاه من أدبٍ أعظمُ مما جرتْ عليه العادة من تأخيرِ ساقٍ عن ساقٍ ومن حمْلِ اليدِ ما صُنِع لستْرِ الرأس، قال لي الكُوِيكِريُّ:
"أراك غريبًا يا صاحبي، وما عليك إلاّ أن تقول لي حتى أقوم بخدمةٍ لك ما استطعتُ".
وأحْنيِ جسمي، وأُقدِّمُ قدمًا نحوه وفْق عادتنا، وأقول له: "تُحدِّثُني نفسي، يا سيدي، بأنك لا تضِيقُ ذرْعًا بفُضُوليِ الصادقِ، فلا تضنُّ عليّ بمنحي شرف الاطلاع على دِينِك".
ويجيب عن ذلك بقوله: "أجلْ، إن أبناء بلدك يُبْدُون كثيرًا من المجاملة والإكرام، ولكني لم أرَ، بعْدُ، منْ أظهر منهم مِثل فُضُولِك، فادْخُلْ، ولْنتغدّ معًا قبل كلِّ شيء".

