كتاب " رجال الشرفات " ، تأليف منى خويص ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
يشهد العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي يقظة للشعبوية.
أنت هنا
قراءة كتاب رجال الشرفات
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

رجال الشرفات
كيفية تعاطي الغرب مع الظواهر الشعبوية
سنورد مثالاً يبين لنا صوابية ما ورد آنفا. لقد أجري منذ مدة استطلاع للرأي في فرنسا، حول أكثر الشخصيات التي يتمنى الفرنسي صفعها، وكانت النتيجة تصّدر كارلا بروني، زوجة الرئيس نيكولا ساركوزي المرتبة الأولى. ووفقاً لمجلة "VDS" التي أجرت الاستطلاع، فإن هبوط شعبية بروني يعود إلى أسلوب حياتها البرجوازي، فهي تعيش في برج عاجي، وفي جزء آخر، لأنها وبأسلوب حياتها، تذكر الفرنسيين والجمهوريين خاصة، بماري انطوانيت .
إذن الفرنسيون يريدون صفع كارلا بروني، وهذه الرغبة في الواقع لا تعود لمجرد أسلوب حياتها الذي يشبه أسلوب حياة ماري انطوانيت فقط، بل يودون صفعها، لأنها حركت في مخيلتهم حقبة تاريخية كاملة مثلتها ماري انطوانيت، تلك الحقبة، يقاومها الفرنسي إلى أي شريحة اجتماعية انتمى، ولا يريد لأي صورة أن تذكره بها، فهي تماماً، كما ذكر تاغييف، يجب أن تبقى في الماضي.
في حين أنه ومقابل هذه الصورة، وعلى ضفة أخرى من ضفاف العالم، وفي الارجنتين تحديداً، فان صورة إيفيتا بيرون وذكراها كانت تقف خلف مشهد اعتلاء كريستينا فرنانديز كيرشنر سدة الرئاسة هناك. فقد اظهرتها الصحف في صورة، يرفرف في خلفيتها العلم الارجنتيني، بينما تلف رأسها هالة من أشعة الشمس، وبدت الصورة وكأنها تستحضر إلى الذهن صورة عذراء لوجين، الشخصية التي تجذب غالبية المتدينين في الارجنتين، علاوة على صورة إيفيتا، التي كان الفقراء يقدسونها بينما كانت لا تزال على قيد الحياة، لا بل وحتى بعد مماتها.
وبالمقارنة مع الصورة الأولى، التي تظهر لنا كيف سحب الفرنسيون بساط التأييد من تحت أقدام زوجة الرئيس الفرنسي لأنها أعادت إحدى صور العصور الظلامية، التي كافحت تلك المجتمعات عقوداً طويلة للخروج منها. نجد أنه، وفي الوقت نفسه، صورة مماثلة لكريستينا كيرشنر، تقدم لنا واقعاً متناقضاً بشكل كامل، بحيث إنّ هذه الأخيرة لم تكن قادرة على الوصول إلى سدة الرئاسة في الأرجنتين، لو لم تمد يدها لتنهل من الماضي، وتحاكي المخيال الأرجنتيني من خلال تلك الصورة التي يعشقها، صورة إيفا بيرون.
إنّ الماضي، الذي يرفض الفرنسيون استحضاره، أو التطلع إليه، يشكل المنهل في الأرجنتين، وقبلة تطلعات جماهيره.
والواقع أنّ الفرق بين الواقعتين، وردة الفعل عليهما، هو نفسه الفرق بين مجتمعات العالم الثالث والمجتمعات الحديثة. فقد نجد الظاهرة نفسها في كل منهما، إلا أنَّها لا تعمل بالطريقة نفسها.
وإذا كانت الشعبوية، كما يتفق كثيرون على اعتبارها ديماغوجية، وتقوم على تضليل الرأي العام بخطاب وجداني انفعالي، فإنّ الرأي العام الغربي سيتفاعل بطريقة مختلفة عن تفاعل الحشود الجماهيرية في العالم الثالث. وقد تتقاطع هذه الظاهرة بين كل منهما على بعض النقاط المشتركة لكنها من دون شك تختلف وتفترق جذرياً عند نقاط أخرى، كما أنّ مصيرها ليس محكوماً، بالقدر نفسه في كل منهما. هذا إذا سلّمنا، بأن الحركات التي بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي تطل برأسها في كل من المجتمعات الحديثة ومجتمعات العالم الثالث على حد سواء، تعتبر جميعها حركات شعبوية، حيث إن الخلفية لكل شعب من هذه الشعوب مختلفة كلياً وبشكل جذري عن بعضها بعضاً، وهذه الخلفية هي في الواقع التي تحكم طبيعة التفاعل مع هذه الظاهرة، وترسم حدودها، وتتحكم بنهاياتها.
هنا قد يعترض بعضهم ليقول، إنّ ظاهرة "حزب الشاي" في الولايات المتحدة الأميركية، نهلت أيضاً من الماضي، وهي حركة شعبوية من ناحية تشكلها، وخطابها، وآليات عملها، واستطاعت تغيير واقع معين في انتخابات الكونغرس مؤخراً، وهذا صحيح، إلاّ أنَّ العبرة تبقى في المصائر التي ستواجهها هذه الحركة عند ملامستها للسلطة في نظام ديمقراطي، ولدينا نموذج سابق يمكن الاعتماد عليه في المقارنة، وهو ما حدث في الهند. فالكل يعلم أنّ للهند ديمقراطية متجذرة، ومؤسسات دستورية، وقد عرفت حركات شعبوية تمكنت من الوصول إلى سدة السلطة، ومن خلال انتخابات حرة، إلاّ أنَّهم وبعد انتصارهم، لم يتمكنوا من التغيير، لا في الدستور، ولا استطاعوا السيطرة على أجهزة الأمن، والمؤسسة القضائية؛ إنّ أقصى ما كانوا قادرين على القيام به، الانضواء تحت سقف المؤسسات القائمة، لقد خضعوا للقوانين، وهم نجحوا، ومن بعدها، خسروا الانتخابات وعاد حزب المؤتمر إلى السلطة. وهذا يدّلل على أنّ الحركات الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية، ولو تمكنت من تسّلم السلطة، فإنها ستخضع للمؤسسات فيها، ولن يكون لها القدرة على إخضاع تلك المؤسسات لها، كما تتوخى عادة الحركات الشعبوية في انطلاقتها وخلال مسارها. فلطالما كانت الحركات الشعبوية، حركات تقف، في مواجهة مشروعات الحكم القائمة، وتنزع إلى تقويضها وإحلال أخرى مكانها.
إذن، وانطلاقاً مما تقدم يتبين لنا أنّ الديمقراطية، صخرة تتكسر عليها الأمواج الشعبوية في المجتمعات الحديثة، في حين أنها في مجتمعات العالم الثالث، تحضر بقوة، وهي كالتسونامي، قادرة على جرف كل ما يصادفها وما من شيء يستطيع إيقافها.

