أنت هنا

قراءة كتاب من وراء البحر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
من وراء البحر

من وراء البحر

كتاب " من وراء البحر " ، تأليف د. أحمد محمد المعتوق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 3

هذه المغامرات التي يقوم بها الشاعر الحاذق لا يستوعبها ويدرك أسرارها وجوانب البراعة والإبداع فيها إلا أولئك الذين رقت طباعهم وصفت أذواقهم وشابهوا الشاعر في حيويته وحلقوا في بعض فضاءاته. أما عادي الناس فإنهم ربما رأوها شاذة غريبة أو عسرة غامضة، لأنهم لا يستشعرونها ولا يدركون أسرارها وأوجه الحكمة أو الجمال فيها، أو ليس لديهم الملكات التي تمكنهم من الغوص إلى أعماقها أو التحليق في سماواتها. وهنا ينشأ وجه من أوجه الغموض التي تنتمي في أصلها إلى طبيعة الشعر وإلى تميز الشاعر من غيره .

ثمة وجه آخر من تلك الأوجه التي تنتمي إلى هذه الطبيعة، وهو أن تكون التجربة الشعرية أو بواعثها وأصولها غائرة في أعماق النفس وشعابها البعيدة، فيكون الشاعر عندها مضطراً إلى أن يغوص إلى هذه الأعماق ويتغلغل في هذه الشعاب، ليلتقط ما رشح من جزئياتها الكامنة. ثم يعبر عن هذه الجزئيات بما يتناسب مع رهافتها ولطفها ودقتها من عناصر اللغة الواسعة الأبواب، فتكون العبارات والكلمات الناقلة لها دقيقة خفية المعاني على قدر هذه الرهافة وهذا اللطف.

ومن هذه الأوجه كذلك ما هو ناتج من طريقة الشاعر المميزة في انتقاء ألفاظه وأدواته في التعبير، فقد ألف الناس أن ينتقوا لكل معنى لفظه الخاص المتواضع عليه بين أفراد المجموعة، والذي يحدد المعنى في العادة ويحصره ويعين الفكرة ويرسمها في الأذهان واضحة جلية، أما الشاعر فلا يتعامل مع ألفاظ اللغة ورموزها على هذا النحو، وإنما هو يجس الحروف والكلمات كما يجس الموسيقار أوتار قيثارته، ويختبرها كما يختبر الجوهري أحجاره الكريمة، ويوازن بينها ويقارن بين إيقاعاتها بحسه المتوقد وذوقه المتألق في حالة استشراف وصفاء روحي تام، ويتحسس رنينها في داخله بسمعه الباطن وشعوره المرهف كما يتحسس السامع رنين الفضة الخالصة، لا ليختار منها ما يحدد معانيه ويعبر عن أفكاره كما يفعل الآخرون، لأنه لا ينقل معاني ولا يسرد أفكاراً، وإنما لينتقي ما ينبض بإحساسه الحاضر في لحظات توهج التجربة، ويظل يشحن هذه الحروف والكلمات ويؤلف بينها في أوج ذلك العنفوان، بمعزل عما تعنيه في عرف المجتمع.

الشاعر لا يعنيه اتفاق الناس على دلالات هذه الألفاظ أو الكلمات بقدر ما تعنيه أصداؤها وإيقاعاتها وإيحاءات أصواتها ورنين أجراسها داخل نفسه هو. وعندما يحسم قراره لا يهمه بعد ذلك أن تكون غريبة على معجم اللغة المألوف أو مخالفة في تركيبها لتلك القواعد النحوية أو الصرفية الوضعية الصارمة، أو أن تكون غامضة على من لا يستطيع أن يتفاعل مع تجربته ويرجع أصداءها في نفسه، أو تكون محببة عند أناس مرفوضة عند آخرين.. إنه كالطائر الذي يغرد ولا ينتظر الشكر، والمهم عنده هو الاطمئنان إلى أن كلماته وعباراته التي يتلفظ بها تحمل أنفاسه وهمسات روحه، وتعبر عن خصوصيته بعفوية وصدق وأمانة. وهو في سبيل ذلك يبقى ثائراً على كل قيد أو فرض لا مبرر له في نظره.

والشاعر الحر يأبى التقييد والتحديد ويتوق دائماً وأبداً إلى التغيير والانطلاق والتجديد في كل ما يتعلق بأدوات فنه وعناصر هذا الفن، ومن هنا ينشأ وجه آخر للصراع بشأن لغته وما يرتبط بهذه اللغة من عناصر وصور ومفاهيم. وهذا الصراع يزداد حدة عندما تتسع الفجوة بينه وبين الآخرين في الرؤية والإحساس والثقافة وخصب الفكر.

يمتد بصر الشاعر المغامر الطموح وتزداد لهفته إلى البحث والكشف واختراق المجهول وفك ألغاز الحياة، ويمارس عمليات إخصاب ذهني وشعوري حثيث في ضوء تطورات العصر وتحولاته. وهذا يزيده نضجاً في التفكير واتساعاً في الرؤية وعمقاً في النظر إلى حقائق الكون وأسرار الطبيعة وأوجه الحياة وعلاقات الإنسان ومثله وقيمه، ولا شك في أن ذلك يعمق من تجاربه ويضاعف من ثرائها وغناها بالمعاني والأفكار والرؤى والتخيلات، ويجعل عناصر اللغة المألوفة في النهاية قاصرة عن التعبير عنها وعن استيعاب ما تحتويه من غرائب وأسرار، فيلجأ إلى التسديد عن قصورها بشحنها وتكثيف مدلولاتها والوصول بالمجاز في تضمينها إلى أقصى غاياته، الأمر الذي يجعلها في نهاية المطاف غامضة مبهمة على من قصر نظره عن بلوغ هذه الغايات.

ولا شك في أن نضج الشاعر واتساع آفاقه وعمق تجاربه ورغبته في إثارة فكر المتلقي والارتقاء به إلى المستوى الرفيع الذي بلغه هو سيكون باعثاً غير إرادي على مواصلة نهجه في الابتكار والتطوير وفي الإيجاز والتكثيف والشحن، على الرغم من إحساسه بما سيلاقيه هذا النهج من العنت أو المواجهة والتحدي في محيطه البشري.

في إطار عمله الدائب وسعيه الحثيث لاستثمار موارد اللغة والكشف عن أسرارها الكامنة والمد في آفاقها الطليقة الحرة، يتصيد الشاعر القدير من الألفاظ وغرائب الأساليب ما يمكنه من ممارسة حريته المطلقة في التعبير عن كوامن النفس وخلجات الشعور كما سبقت الإشارة، لا يفرق فيها بين عام وخاص، ولا بين شارد ووارد، ولا بين ما ينطق منها أو يصور أو يشير. فمثلما يعبر عن معانيه بالكلمات وظلالها، ويجسد صوره وأحاسيسه برنين الحروف وإيقاعات الجمل، يتكئ على الإشارة والتعريض والإيماء والتلميح، أو يستند إلى المجاز يفتح أبوابه باباً بعد باب، ويزيح في دلالات الألفاظ وينوع في عناصر الخطاب اللغوي، حتى ليجعل لمفردات اللغة ورموزها ألواناً ترى وروائح تشم وأجساماً تلمس وطعوماً تذاق وأطرافاً تتحرك، فترى الألوان في عباراته تنطق كالبشر، والأصوات تجري كمياه البحر، وتشهد النجوم الرفيعة في خضم هذا الشحن المستفيض تعانق وتناجي وتصافح وتبحر وتستحم، وترى الورود تهمس وتتحاور وتغمز وتضحك وتبكي، والجروح تصرخ وتمشي وتستصرخ وتحارب وتناضل...

الصفحات