كتاب " من وراء البحر " ، تأليف د. أحمد محمد المعتوق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب من وراء البحر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

من وراء البحر
وبمثل هذا الشحن والتجاوز وهذه الإزاحة في الدلالات يعبر الشاعر المبدع بالحقائق إلى عالم الأحلام ويبحر بالمعاني إلى آفاقها العجيبة الواسعة، ويوجد من الرموز ما يدهش ويفاجئ، ويخلق من كيمياء اللغة عوالم جديدة غريبة لا يدركها من ضاق أفقه وقصر خياله. وبذلك لا يبقى للغة عند الشاعر حدود، ولا تحول بينه وبين التحليق بها في عالم الغيب حواجز .
يلجأ إلى فتاته السمراء فيستاف عبيرها ويسكن روحها ويجعل منها رمزاً لكل ما يعشقه ويتمناه أو يحلم به: للحب والدفء والأمان والسلام، وللحياة والأرض والموطن ومستقر الروح وهدوء النفس، وللخصب والميلاد والعطاء والنماء، كما يرمز بطولها الفارع إلى العزة والشموخ والأنفة والكبرياء والطموح والإباء والرفض، وبعينيها إلى البراءة والنقاء أو الأمل والرجاء أو السكون والموعد واللقاء، وبيدها أو منديلها الملوح إلى الوداع والإبحار والهجرة والرحيل أو العبور والفتح والخلاص ونهاية الحرمان... يحسب الغافل أنه يتغزل أو يتلهى ويتلذذ بذكر مفاتنها وتقاسيم جسدها، بينما هو في واقعه يتحرق ظمأً وشوقاً إلى البوح، ويتلهف إلى الوصول والعناق. عناق الأمنية الغامضة الجميلة. أمنية الفرد أو أمنية المجموعة التي تذوب وتتبلور في أحلام الشاعر وفي كيانه وتصبح هي أمنية الموسم والعصر والحياة في أوسع مداها. وهكذا تكون المرأة عند الشاعر الأصيل مصدراً للحياة والحب والفن وليس رمزاً للشهوة والهوى الرخيص.
* * * * *
المعارف التي يغنمها الشاعر من خلال مواكبته لتطورات عصره ويصهرها وينميها في ذهنه الحي تتحول إلى عناصر فاعلة في تطوير فنه والارتقاء بأدوات هذا الفن، وفي توسيع آفاق معرفته بنشاطات اللغة وأساليبها وصيغها ودقائقها التي تعتبر أدواته الأولى. وهذا ما يضاعف من قدرته على استثمار المزيد من طاقاتها والتحليق بها في فضاءات جديدة وغريبة على من لم يرتق بمعرفته إلى مستوياتها.
المكاسب الحضارية والثقافية الجديدة التي يحصل عليها الشاعر من خلال رصده لتطورات العصر لا تعينه على اكتشاف آفاق لغوية جديدة فحسب، وإنما تمكنه من ابتكار صور وأساليب وأنماط تعبيرية تضاف إلى تلك المكتشفة منها، وهذا ما يعمل بدوره على بلورة سليقته والارتقاء بموهبته البيانية وبقدراته على التصرف بمفردات اللغة والتفنن والتجديد في استعمالها وفي تسخيرها لأغراضه ومقتضيات فنه، ويجعل من إبداعاته الشعرية في النهاية أكثر عمقاً ولطفاً وثراء.. غير أن هذه الإبداعات وما تحويه من صور وأساليب وأنماط بيانية مبتكرة سوف تبدو غريبة غامضة مجهولة القدر لدى من توقفوا عند بوابة العصر وظلوا عند منحدر الحياة.
إن من لا يزال في الوادي أو على السفوح القريبة منه لا يرى الواقف على قمـة الجـبل الشامخ محدد الملامح واضح المعالم كما يجب. وفي تجارب الماضي ما يثبت ذلك أو يشير إليه.
لقد قال أحد النقاد يومها بأن أبا تمام «أتى في شعره بمعان فلسفية وألفاظ غريبة، فإذا سمع بعض شعره الأعرابي لم يفهمه، وإذا فسر له فهمه واستحسنه». وقال الآمدي بأن طائفة من الناس أعرضت عن شعر أبي تمام لأنها لم تفهمه، ولكنها لم تنكر فضله، وأن ابن الأعرابي كان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه، «ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه»، فكان إذا سئل عن شيء منها يأنف أن يقول: «لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه». وكان إذا سمع شعره يقول: «إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطل».
ما ذلك الاستغراب وذاك الخلاف والنزاع حول لغة أبي تمام إلا لأن هذا الشاعر عاش جانباً من الحياة المزدهرة في عصره وتفاعل مع أجوائها بروحه وحسه وعقله، وانفتح على آفاقها الواسعة بذكاء متوقد ونظر ثاقب وطموح متوهج، فنهل مما زخرت به من أنواع المعارف، وأخذ من علوم الدين والتاريخ والكلام. واستفاد مما ترجم من كتب الفلسفة ومن حكم اليونان والفرس والهنود وغيرهم، وأضاف ذلك كله إلى ما استقاه من علوم اللغة والنحو والبلاغة والشعر وروايته، فأصبح عالماً في اللغة والنحو والبلاغة وفنون الشعر وفقيهاً ومتكلماً وفيلسوفاً بارعاً. وهذا كله انعكس على شعره فحلق به وبمعانيه وألفاظه واصطلاحاته وصوره المبتكرة إلى آفاق واسعة لم يدركها ابن الأعرابي وأمثاله من أولئك الأدباء الذين وقفوا بثقافتهم الأدبية عند محيط الأوائل.
والتحـولات والتطـورات المختلفـة تنعكس بمستويـاتها ودرجاتهـا المتباينة فـي وعي الشاعر المتحرر مـن القيود، وهـي تتبلـور في فكره وتتجسد في شعوره وتتفاعل آثـارها وتداعياتها في نفسه وإحساسه على قـدر ما تتوافر لديـه مـن أدوات الالتقاط والتخمير ومـا يمتلك من طاقات الهضم والاستيعاب والتمثل، فتغير من نظرته إلى الحياة ونشاطات الفكر، بما فيها فكر اللغة وعلاقاتها وما يتبعها من مقاييس وقيم ومعايير. حتى لتبدو رؤاه ومقاييسه الماضية أحياناً غريبة حتى عليه هو نفسه. كما تنشأ عن تحولات الحياة وتطوراتها مفاهيم وقيم وعلاقات جديدة معقدة ومتشابكة تنعكس في فكر من كان في محيطها، وفي فكر الشاعر الفطن المرهف الإحساس بنحو أخص، وهذه تنعكس بدورها وتظهر بتفاصيلها على البناء الشعري الصادر عنه فتصبح سبباً من أسباب التعقيد أو الغموض المتصور فيه.
* * * * *

