كتاب " من وراء البحر " ، تأليف د. أحمد محمد المعتوق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب من وراء البحر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

من وراء البحر
ومن جانب آخر فإن أحداث الحياة وتقلباتها وصراعاتها المؤلمة القاسية تفعل فعلها في وجدان الشاعر الحر، فهي تؤرقه وترهق أحاسيسه، ولكنها في الوقت نفسه تلهمه وتخصب شعوره وتشحذ قريحته وتزيده انصهاراً في كيان المجموعة، المجموعة بمعناها الحديث الذي يكرس الاهتمام بمفهوم الالتزام الذاتي الخالص ويجسد مصداقية التلاحم بين الشاعر وعناصر مجموعته ثم بينه وبين عناصر المجموعات الإنسانية في نطاقها الرحب الواسع.
إن انصهار الشاعر الحديث الملتزم في كيان المجموعة ربما كان سبباً في ظهور التجارب الشعرية الجديدة التي تتكون فيها القصيدة من وحدة عضوية متلاحمة متكاملة، يخرج فيها الشاعر الحديث الملهم عن تلك الفردية التي كانت تثقل القصيدة القديمة، لتصبح هذه القصيدة في النهاية بعيدة عن ذلك التفكك الذي يخص كل بيت فيها بمعنى مستقل. ولكن هذه الوحدة العضوية تبقى عقبة في فهمها من قبل أولئك الذين ألفوا التعامل مع القصيدة الشعرية وفقاً لمفهومها القديم.
ألف قارئ الشعر القديم أن يجد لكل بيت في القصيدة التقليدية معنى مستقلاً يمكن أن ينفصل عن معنى سابقه أو لاحقه، لأن الشاعر غالباً ما كان يعبر في هذه القصيدة عن لقطات ومواقف شعورية متجزئة، ربما جمعها في أو قات مختلفة أو متباعدة: وقوف على الأطلال، ثم غزل وخمر، وفخر وحماسة، ومديح أو هجاء، وعتاب واستعطاف، وسؤال واسترفاد، أو مطالبة بالجزاء والمكافأة، ثمة حكم ونصائح ومواعظ متناثرة أو مبثوثة في هذا المقطع أو ذاك... وهكذا تصبح القصيدة العادية مؤلفة من مجموعة مفردات مفككة، بإمكان القارئ أن يقدم ويؤخر فيها أو ينتزع منها ما يشاء.
أما القصيدة الحديثة الأصيلة فإنها مكونة من ذوب من الأحاسيس والرؤى، اجتمعت وامتزجت وانصهرت ثم أفرغت في قالب واحد كما يفرغ الذهب الخالص في قالبه في لحظات توهج حاد. تعانقت فيها الجزئيات وتواصلت وتلاحمت ليكون هناك كيان عضوي واحد. وهذا ما يجعل من الصعب على القارئ أن يفككها، لأنه لو فعل ذلك فسوف يفتت كيانها ويفقدها في الغالب صورتها المتكاملة، وتصبح أجزاؤها لديه مثل همهمات متقطعة وعبارات مبهمة.
القصيدة الشعرية الحديثة الرائعة نسيج مترابط من المشاعر والمواقف. والجزئيات فيها متشابكة متداخلة، لا تتمثل منها جزئية وتتضح ملامحها بنحو كامل إلا بحضور الجزئيات الأخرى. وقد تأتي هذه القصيدة على شكل حلقات متتابعة، إلا أن هذه الحلقات ينتظمها سلك واحد سلس خفي. ووضعها على هذه الصورة لا يفقدها وحدتها ولا يخل بتكاملها العضوي، لأن الحلقات فيها تجعلها كالعقد المنظوم الذي لا تظهر أناقته ويبين حسنه وجماله إلا مع اجتماع حلقاته وانتظام جزيئاته. وربما كان وضع القصيدة على هيئة حلقات يكسبها جانباً من الدرامية الجاذبة وينفي عنها الرتابة من حيث القالب والشكل فتزداد بذلك حسناً وجمالاً، ولاسيما عندما تختص كل حلقة منها بمزية فنية ومعنوية دقيقة، وتصبح كالماسة أو قطعة الحجر الكريم المميز ينفذ من خلالها ذلك السلك الرابط الخفي بوداعة ولطف.
* * * * *
لا يرجع الغموض في القصيدة الحديثة الأصيلة إلى عمق التجربة الشعرية وكثافتها فحسب، أو إلى نسيجها العضوي المتلاحم الدقيق أو إلى أي من الأسباب الأخرى التي سبق ذكرها، وإنما هناك أوجه وأسباب فاعلة غيرها: ربما كانت مرتبطة بتكوين الشاعر ذاته وبطبيعة فنه وقوانين صنعته، أو بالقارئ والتحولات الشعورية والنفسية المحيطة به.
إن القصيدة في أصلها كيان روحاني، فهي لا يمكن أن تتمثل على حقيقتها وتكشف عن جوهرها وتكون جلية الصورة واضحة الملامح إلا مع استحضار الأجواء الروحانية الحقيـقية الموحيـة بها والباعـثة على استلهـام عنـاصرها، أي أن تكون لدى متلـقيـها تلك الروح الشفافة التي تجعله يستريح إليها ويسكن أجواءها ويتفاعل معها ويستوعب لغتها ويتعرف أسرارها ويتمكن من استدراجها إلى داخل نفسه أو استدراج نفسه إلى داخلها، لينفعل بمكوناتها وتتلاحم روحه مع أجزائها. وإذا كانت الروح المادية هي المسيطرة والمصالح الفردية الآنية هي الطاغية وحركة الآلات الجامدة هي المهيمنة بجلبتها وضجيجها على الأحاسيس، كما هي عليه الحال في واقعنا الراهن، فلا غرابة في أن تغيم النفوس وتفسد الأذواق وتهن المشاعر وتفقد الأرواح حميميتها ويفقد الفن بريقه، وتضيق القلوب والأرواح بالقصيدة الشعرية الرائعة فلا تجد من ينصت لها ويستشعر دفأها ويعي همساتها ويفهم لغتها وتداعيات هذه اللغة.
ومن ناحية أخرى فإن العادة هي أن الشاعر المتحرر قد يجد من عنت المجتمع وتعقيداته وحجر التقاليد وتحكمها وقمع السياسة وجورها ما يجعله في حالة وجل وترقب دائم. يحتار في ما يريد البوح به ويتردد في التعبير عما يعتمل في وجدانه. وإذا كان هذا الشاعر بفطرته عصي أبي، فلا مناص له من أن يكون بين أمرين: إما أن يتجاوز حاجز الحيرة والصمت ويخترق جدران سجنه، ويجهر بمكنونات قلبه وخبايا نفسه، فيواجه مصيره المحتوم أمام قسوة الرقيب وعنت المخبر وجور الجلاد وبطش المتسلط، أو أن يعيش في صراع داخلي ممض، ويغص بما يجيش في صدره ويفيض به شعوره. ويحشرج بصوته كالمختنق، فتختلط الكلمات على لسانه وتخرج العبارات من فمه كتمتمات حائرة. ويكون عندها الإبهام ويكون الغموض..

