أنت هنا

قراءة كتاب من وراء البحر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
من وراء البحر

من وراء البحر

كتاب " من وراء البحر " ، تأليف د. أحمد محمد المعتوق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 6

والشاعر يرسل أناته ويشكو ألمه ويبــث شوقه وحنيـنه وحزنه لأوتار حروفه وكلماته الشجية، ويتفنن في التعبير بموسيقاه المنبعثة من شكل القصيدة ومضمونها، ليشرك الآخرين في تواصله الروحي المحظور، ولينقل إليهم ما لم يكن في وسع الكلمات أن تنـقله وتصرح به. وإذا كان الشاعر العربي القديم قد اعتمد في موسيـقاه على إيقاعات الخليل أو بحوره وأوزانـه التي تخضع لقياس الزمن، فإن الشاعر الحديث قـد وجد في الالتزام الصارم بهذه الإيقاعات أو البحور والأوزان حبساً لأنفاسه وتقييداً لحركة الأحاسيس في داخله، وربما كان سبباً في لَيّ أعناق المعاني والرؤى والأفكار التي يريد التعبير عنها، لذلك راح يطلقها ويمزج بينها ويقصر ويمدد ويبسط ويطوي فيها لتصبح كآهات الناي، حرة أبية وسهلة ممتنعة. كما جعل من الإيـقاعات ما هو شكلي ظاهر متسق، وما هو ضمني باطن خفي، تجري همساته عبر مادة سائـغة رقيـقة تنـفـذ إلى صميم النـفوس المهيـأة مع نبض الكلمات وجرس الحروف وحركة الخيال وحيويته فتهزها وتؤثر فيها. أما النفوس الجافة أو غير المهيأة فالأصل أن لا تجد طريقاً إلى الإحساس بها والنفوذ إليها .

ولكن عدم الإحساس بالموسيقى الداخلية في القصيدة الحديثة أو عدم إدراك إيحاءاتها قد لا يرجع إلى قصور القارىء أو قلة خبرته ونقص أدواته، وإنما يعود إلى وجود خلل في صياغة هذه الموسيقى نفسها أو في طريقة الإيحاء بها، فقد تكون نابعة عن ذوق مقترض وروح مستعارة، ولا تستند إلى ما يدعمها ويؤكد فنيتها من عناصر النظام الموسيقي الموروث، كما هي الحال الغالبة في قصيدة النثر، أو تكون الألفاظ العاكسة لها أو الموحية بها كدرة متجهمة، وكل ذلك يمكن أن يفقد هذه الموسيقى حيويتها ويعكر صفوها ويمنع من حركتها في نفس القارىء. فلا تشفع لها حينئذ الحداثة ولا دعوى التجديد.

الحداثة والمعاصرة لا تعنيان انسلاخ الشاعر من ذاته وتقمص أرواح غريبة أو استعارة أقنعة مجتلبة وافتراض أذواق وأمزجة لا تعبر عن واقع الذات، ولا عن شخصية المجموعة التي تنتمي هذه الذات إليها، وإنما تعني الاستفادة مما يمكن أن يعزز وجود هذه الذات، ويظهر عنفوانها ويدعم انتماءها وولاءها للمجموعة وينهض بالجميع إلى مستويات تواكب الحياة الجديدة بمختلف أطوارها وتطوراتها. ومن الطبيعي أن هذا لا يتحقق إلا مع الإيمان بالقضية والولاء للأصل والاعتزاز بالتراث، والاعتماد على العناصر الفاعلة من معطيات هذا التراث في تأسيس الحركة الجديدة، وجعل العلاقة بين الماضي والحاضر علاقة تداخل وتكافل وتكامل أو تصاهر، وليس علاقة طلاق وانقطاع أو انفصال للشجرة عن أصلها كما انتهى إليه بعض من بالغ في تصور الحداثة.

الشاعر الناضج الأصيل لا يقلد ولا يتخلى عن ذاته أو عن كبرياء هذه الذات وكرامتها وأنفتها. ولكنه يمكن أن يقتدي ويتأثر ويستمد ما يحتاج إليه من دون ابتذال أو احتماء بالآخرين، ثم يأخذ ما يتأثر به أو يستمده فيصهره بعد تنقيته وتهذيبه، ويذيبه في روحه، ثم يخرجه من رحم التجربة الذاتية الخالصة مولوداً جديداً، مختلف الملامح مميز البصمات واضح الانتماء والهوية، ثابتاً على الولاء للرحم الذي أنجبه وللمجموعة التي ينحدر منها، وإلا كان مسخاً مشوهاً مبهم الشخصية فاقد الحيوية.

* * * * *

وحين يكتب الشاعر العظيم عن نفسه فهو يكتب عن زمنه وعن محيطه وعن مجموعته أيضاً، ولذلك فليس في تجربته الشعرية ما يفصل بين أحلامه وأحلام المجموعة سوى خيوط رفيعة سرعان ما تهن أو تضمحل، ذلك لأن الأنا في هذه التجربة سرعان ما تتقمص ضمير الجمع وتظلله وتستظل به، هذا إن لم تكن قد تقمصته واستظلت به منذ انطلاقتها. وهكذا تبقى حاضرة بحضوره وهو حاضر بحضورها، صيغتان في صيغة واحدة لا تنفصلان ولا تتباعدان. ولذلك يخطئ من يتصور أن هناك ذاتية مطلقة في تجربة الشاعر الحقيقي، وأن الأنا فيها يمكن أن تنسلخ من المجموعة أو تنفرد. الذات والمجموعة تبقيان دائماً تحت مجهر واحد ورداء مشترك في هذه التجربة.

الشاعر الأصيل المبدع يئن مع الجريح، ويحن مع الغريب، ويصرخ مع المظلوم في وجه الظالم، ويتألم مع المحروم، ويندب مع الفاقد، وينوح مع الثكلى، وتنهمر دموعه أمام المشاهد الإنسانية المروعة. وإن منع الإباء دموعه من أن تنحدر أو ترى. وهو كذلك يفرح للقاء الأحبة، وينتشي لنيل المحرومين، ويهتف بالصلح والتصافي، ويسهر مع الذين يسهرون تحت ضوء القمر، ويشارك من يستبشرون بخيوط الشمس ويغرد مع الطيور التي تؤنسهم، ويطرب عندما تصفو سماؤهم وتندى حقولهم، كما يتهلل وجهه لرؤية بشائر الخير والحق والعدل والصفاء والسلام وهي تنتصر وتزهو بينهم... وهكذا يصبح مأتم المجموعة مأتمه وعرسها عرسه وربيعها ربيعه، وتتلاشى عنده الأنا وتذوب الذات في كيان المجموعة القريبة التي تجمعه بها روابط الدم والتاريخ والأرض، كما تذوب في كيان المجموعة الإنسانية في حدودها الواسعة أيضاً، عبر تراكمات متتالية تترسب وتختمر بمرور الزمن في أعماق النفس.

الصفحات