أنت هنا

قراءة كتاب علم النفس الأدبي مع نصوص تطبيقية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
علم النفس الأدبي مع نصوص تطبيقية

علم النفس الأدبي مع نصوص تطبيقية

كتاب " علم النفس الأدبي مع نصوص تطبيقية " ، تأليف د. إبراهيم فضل الله ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
الصفحة رقم: 4

تتلخص طريقة فرويد الجديدة في أن يرقد المريض على الأريكة، ويغمض عينيه، ويطلب المحلل منه أن يركِّز انتباهه على عرض من الأعراض، ويتذكّر أي شيء حوله يمكن أن يلقي الضوء على حصول نتيجة، ولقد كان فرويد يساعد المريض على الوصول إلى مصدر الحركات اللاإرادية على سبيل المثال من خلال الضغط على جبهته بيده، ويؤكد فرويد لمريضه أنه سيتذكر حتماً شيئاً مهماً، وقد يحدث أن لا يتذكّر المريض شيئاً، ومع ذلك يعاود فرويد الكرّة، وربما في المرّة الثالثة أو الرابعة يتذكّر، وهذا ما حدث مع إحدى مريضاته التي علّقت على تذكرها بالقول: إنها كانت ستقول له ذلك في المرة الأولى، ولكنها راجعت نفسها لأنها اعتقدت أن هذا الذي ستقوله ليس هو ما يبحث عنه، وقد جعله قولها هذا يتأكد من أن طريقته سليمة، كما جعله يطلب منها أن تتجاهل ما يريد منها وما لايريد، وشرح لها أن ذلك هو من عمل الرقيب على أفكارها، وينبغي لها أن تتجاهله، وأن تقول كل ما يخطر على بالها، ومهما ظهر لها أنه غير مناسب، أو ليس في محله، أو غير مهم، أو شيء مكرر... وكانت هذه الحالة هي الخطوة الأولى نحو بلورة التداعي الحر، وكان فرويد متابعاً طريقته القديمة بالاستفسار، والطلب، ويقوم بعملية حثّ وتشجيع لمريضه من أجل أن يجيب عن أسئلته المستمرة، وفي إحدى المرّات لامته إحدى مريضاته على مقاطعته، فوافقها على ما تريد وامتنع عن مقاطعتها، وكانت هذه هي الخطوة الثانية في بلورة التداعي الحر، وكلما زادت ثقته بطريقته قلّ تدخله مع المريض، وخفف من تقنيات التدخل، والاستفسار، والحثّ والضغط، وحتى إغماض العينين لم يعد يجد لزوماً له، وأبقى الرقاد على الأريكة، وكانت جلساته تبدأ بتنبيه المريض إلى عرض من الأعراض، وعندما يكون بصدد تفسير حلم من الأحلام كان ينبه إلى كل تفصيل في الحلم، ويطلب من مريضه أن يتذكر أي شيء بخصوصه (4).

بدأ فرويد ينشر أسلوبه الجديد هذا بعد أن تأكد من نجاحه، وبعث ببحثين أحدهما بالفرنسية، والآخر بالألمانية بخصوص طريقته الجديدة، وذكر فيهما الاسم الجديد «التحليل النفسي»، كما أرسل في العام 1897 رسالة إلى صديقه «فليس» يشرح له فيها أسلوبه الجديد هذا، ثم بدأ يتحدث بدقة كاملة عن طريقته هذه ابتداءً من العام 1898، وهو العام الذي يمكن أن نقول بكل يقين إنه العام الذي اكتملت فيه نظرية التحليل النفسي، وهناك إجماع على أن فرويد قد استفاد من تعاليم الناقد «لودفيج بورنه» (ت:1823) الذي كتب ناصحاً الراغبين في التأليف الأدبي أن يتبعوا طريقة التداعي الحر، وكان فرويد قد قرأ "لودفيج بورنه"، وأحبه جداً، ويبدو واضحاً أنه أخذ بنصيحته وطبّقها في التحليل النفسي.

ويعرف جان بلامان نويل التداعي الحر بقوله: «تداعي الأفكار التي يعبّر عنها الشخص الخاضع للتحليل في إطار القاعدة الأساسية القائمة على التصريح عن كل شيء في الخاطر بدون صد أية فكرة» (5).

انتشرت مدرسة التحليل النفسي بين المحللين الذين تحمسوا لقاعدة التداعي الحر، وأخذوا يطلقون الحريّة للشخص الخاضع للتحليل كي يقول ما يريد، وأن يصرّح عن كل ما يجول في خاطره من دون رقابة أو اختيار، ومن دون مواربة أو خجل. فعندما تلقي عليه كلمة، يجب عليه أن يطلق العنان لنفسه، وأن يتكلم كما يحلو له من دون أية عمليّة واعية، أو مشيئة إرادية كانت أم رقابية، ويفتش المحلل في الكلام عن تعابير قد توصله إلى لاوعي المريض، ويضع أمامه المكبوتات من حاجات، وأفكار، ورغبات دفينة، وإظهار هذه المكبوتات على سطح الوعي، وأخذ الوعي بها من قبل المعالَج يجعل من الممكن السيطرة عليها، وقبولها، أو رفضها «فالتعبير بواسطة تداعي الأفكار يصاحبه تحرر وانعتاق الانفعالات، أو الوجدانيات المكبوتة» (6).

وتتم ملاحقة التعابير الدّالة على اللاوعي على النحو الآتي:

يقول المحلل:

ـ ثلج.

فيجيب المريض:

ـ أبيض، بياض، شتاء، طهارة... صبية...

إن تداعي الأفكار بين ثلج، وبياض، وطهارة، هو تداعٍ أولي بسيط، ولكن الارتباط بين الثلج والصبية هو ارتباط رمزي، ويأتي هنا دور المحلل لتفكيك هذا الرمز، ومن الأمثلة على تفكيك الرموز نورد هذه الحادثة التي جرت بين محلل ومريضته:

سأل المحلل شابة عزباء في الخامسة والعشرين من عمرها عن كلمة «مقعد»: فأجابت:

ـ يجلس.. دم..

وبعد أن لاحق المحلل التداعي بين الدم والمقعد استطاع أن يفكك رمز العلاقة بينهما حين روت المريضة قصة اغتصابها منذ عشر سنوات من قِبل ابن عمها على مقعد في حديقة عامة في الظلام، وقد أصيبت منذ ذلك الوقت باشمئزاز عنيفٍ وقرفٍ، وصارت تخاف الجلوس على مقعدٍ عمومي، وتقوم بشتى الوسائل كي لا ترى مقعداً من هذا النوع، وبذلك أظهر تداعي الأفكار إلى وعي الشابة الحادث الأليم المسبب للصدمة، وبمساعدة المحلل النفسي، وبإرادة من المريضة تم الشفاء نهائياً (7).

يشرح فرويد تصوره عن بنية الجهاز النفسي، وهو عبارة عن آلة مؤلفة من أجزاء شتى متوافقة، يطلق فرويد عليها اسم «الهيئات النفسية»، وكل هيئة مولجة بوظيفة خاصة، وتقوم بين الهيئات علاقة مكانية ثابتة نظير من أمام، ومن خلف، أو «سطحي وعميق» (8).

أ ـ الجهاز النفسي عند فرويد في مرحلته الأولى

أنجز فرويد نظريّتة في الجهاز النفسي على مرحلتين، وبدأت المرحلة الأولى منذ العام 1880م عندما قسّم هذا الجهاز إلى ثلاثة أجزاء: هي اللاشعور، وما قبل الشعور، والشعور، ومن ثم انتقل في العام 1923 إلى المرحلة الثانية، فجعل من تصنيفاته: اللاشعور وما قبل الشعور والشعور، تصنيفاً للعمليات أو الكيفيات النفسيّة التي لم يشترط أن يكون موقعها أياً من الأقسام السابقة، فالعمليات الشعورية مكانها سطح الأنا، واللاشعور هو الكيفية الوحيدة التي تسود الهو، والعمليات في الهو أو اللاشعور تتبع قوانين مخالفة للقوانين الموجودة في الأنا، وتوصف عمليات الهو بأنها أوليّة، بينما توصف عمليات الأنا بالثانوية، وقوانين المنطق لانفوذ لها في الهو الذي يسمى بمملكة الأمور غير المنطقية.

الصفحات