كتاب " بالأحضان يا بلدنا " ، تأليف أحمد علبي ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب بالأحضان يا بلدنا
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

بالأحضان يا بلدنا
وانهدم جِدار الغُرْبة
تغنّى عمر فاخوري في «الحقيقة اللبنانيّة»، كذلك رئيف خوري في مقالاتٍ كثيرة وردت له في «المكشوف»، و«صوت الشعب»، و«الطليعة»، و«الطريق»، بما لهذا الشعب الصغير الذي يسكن لبنان من ميزةٍ نضاليّة وتطلّع تحرّريّ واستشرافٍ لكلّ جديد يدقّ أَبواب الحياة. إنّ الشعب اللبنانيّ لا تنقُصُه استنارةٌ، وليس هو مُغْمض العينين عمّا يضطرب في دنيانا من جَيَشانٍ ديمقراطيّ. إنّ أَبناءه ساحوا في المعمورة منذ ما يزيد على قرنٍ، طالبين الرغيفَ والعيش والهناءة؛ فغدا أَولاد وحَفَدَةُ حَمَلَةِ «الكشّة» نوّاباً وسنتورات ورجالَ أَعمالٍ ومخترعين. ولا عجب، كانوا يفتقدون المجتمع العادل العصريّ، فرفدتهم مهاجِرهم بالعلم وفُرَص الحياة؛ ولا يبقى متخلّفاً عن الركب سوى الجاهل والخامل والكسول. ومن الطبيعي أنّ الناس في تلك البلدان البعيدة لا يتاجرون بالطائفيّة والمذهبيّة؛ إنّ احترام الإنسان المواطن هو الأساس الراسخ لبناء مجتمعهم، وخير الناس أَنفعهم للناس هو حديث هناك قيد التداول والتطبيق، وليس هو للوعظ والتغنّي.
أنا كثير التَّجْوال في أَنحاءِ لبنانَ وحناياه، أَبغي رياضة المشي فوق طرقاته ومنحدراته؛ أُصغي إلى خرير النهر وهو عنّي محتبس خبيء، حتى إذا ما اكتشفته رافقته في جريانه والقلب منّي فَرِحٌ طليق. ولا يمكن لأحدٍ أن يعشق وطناً من غير أن يعرفه عن كَثَبٍ، أن يتمرّى في صَفَحات بحيراته المرتعشة فالهواء يداعبها فتتموّج، أن يلج مطارحه الأثريّة وأَديرته الدهريّة ومساجده الحافلة بالرونق والخشوع. وأنت حيث تتنقّل في لبنان يطالعك البهاءُ، بهاء الطبيعة وبهاء الإنسان. وهذا القاطن في الجبل أو الريف تسمع به وتقرأ عنه، ولكنّك في الواقع لا تعرفه حقّ المعرفة. وأنا لا أَتحدّث طبعاً عن سكّان مناطق الاصطياف، فهؤلاء قد غلب على جُلّهم الجَشَعُ، ولم تعد لهم سريرة صافية ولا نَفْس تنضح بالأريحيّة وتهفو إلى إكرام العابر والضيف؛ حتى العونةُ انتفت بينهم، وصاروا أَشبه بقاطني المدن الغرباء عن بعضهم بعضاً. أمّا قلب جبلنا وقلب ريفنا فلا يزال يخفق على إيقاع المحبّة والوداد.
ولأَيّامٍ قريبة كنّا نصعّد في بلاد جبيل، سيراً على الأَقدام، كمألوف عادتنا، فاجتزنا «الحصون»، وقطعنا «فرحت»، وعند كوعٍ قاسٍ في «طورزيّا» استضافنا بيتٌ متواضع، حيث شربنا بلهفة الماء القُراح، وقد أنهكنا التصعيد، وارتشفنا القهوة الساخنة، وما أَطيبها حوالى الظهيرة. وكان عندهم مريض في الداخل، وكان بيننا طبيب، فولج وقام بواجبه في المعالجة. ومن شرفةٍ أطلّت امرأة ممشوقة القدّ، ترتدي الأَصفر والأَسود، وسألتنا، بعد التحيّة، من أين أنتم؟ ولمّا أَجبناها أنّنا من بيروت أهّلت وسهّلت ودعتنا إلى النزول عندهم. وغيرَ بعيدٍ عنها طالَعَنَا عمّالٌ يحاولون إدخال جسرِ حديدٍ، عَبْرَ ثغرةٍ في أَعلى الحائط، إلى بيت قديم لتدعيمه وتقوية سقفه. وقلت في نفسي: وطن من غير سقفٍ متين لا يُجْدي! وفي الطريق مررنا بكنائسَ ومساجدَ، فالمنطقة مختَلَطَة بين موارنة وشيعة؛ وأَعرف أنّ الناس فيها ظلّوا، خلال الحرب الأهليّة، بخيرٍ ووئام، لأنّ النفوذ السياسيّ فيها «كُتْلَويّ»، وبالتالي فالعقل راجح والغريزة منطفئة. لبنان لأَهله، مهما بَعُدَت شِقّة الخلاف السياسيّ بينهم، فالرويّة والديمقراطيّة والاحتكام إلى عِبَرِ التاريخ كفيلة بأن تجعل الناس إخوة متحابّين في السرّاء والضرّاء. وحبّذا الاختلاط السكّانيّ، على مستوى الطوائف، لأنّ هذا الاختلاط يجمّل الناس في منطقهم ومسلكهم؛ كحال مَنْ يتعلّم في مدرسة مختَلَطَة للبنين والبنات فإنّ التهذيب حيال الجنس الآخَر يغلب عليه، ثم إنّ الأَوهام حول الجنس الآخَر تتبدّد في مخيّلته!
أَكتب هذه الأَسطر وعيني وسمعي وخاطري تنصبّ على متابعة الهبّة الشعبيّة التي لم يعش لبنان مثيلاً لها في طول تاريخه الحديث وعرضه. إنّ مأتم رفيق الحريري، الذي اغتيل على نحوٍ بربريّ، كان جماهيريّاً بشكلٍ لافت جدّاً. فعلى مدى ساعةٍ ونِصْفٍ توالت الحشود الهائلة مخترقةً شارعَ الاستقلال حتى ساحة بشارة الخوري، ثم انحدرت إلى ساحة الشهداء. وسبق لي أن شاهدتُ، وكنت فتًى يافعاً، مأتم إميل إدّه الذي مرّ أمام مدرستنا، مدرسة اللاييك عند محلّة الناصرة، وكانت تتخلّله أَلعاب السيف والترس كما أَذكر. كما أُتيح لي أن أُعاين عن قربٍ مأتم رياض الصلح، الذي كان يسكن قُبَالة بيتنا في شارع عمر بن الخطّاب، وقد جاء بشارة الخوري، رئيس الجمهوريّة عهدذاك، لوَدَاعه والسير وراء نعشه. ولكن لا يمكن مقارنة هذين المأتمين بالحشود الغفيرة حقّاً، التي واكبت جثمان الحريري ورفاقه. فهو مأتم فريد لرجلٍ استثنائيّ من لبنان، وليس من السهولة التاريخيّة أن يتكرّر، مهما كان حكمنا الهادئ على الحريري.
ما يعنيني في هذا المشهد الشبابيّ المنقطع النظير، الذي يتقاطر فيه شباب لبنان وشابّاته، كالجداول المنسابة، تلتقي عند ساحة الحريّة، هاتفةً بفمٍ واحد لمجد لبنان وعزّته واستقلاليّته، وطناً للأَحرار من بنيه، يشيدونه على أُسسٍ من الديمقراطيّة ومن التلاحم الوطنيّ الرائع؛ ما يعنيني أنّهم هدموا جِدار الغُرْبة الموهوم الذي كان يقسّمهم شِيَعاً وطوائفَ، فقد كانت كلّ فئة تنسج حولها خيوط العُزْلة والانكماش، وتحسَبُ أنّ سائر الفئات غرباءُ عنها وربّما أَعداء. الوطنيّة تجمع، والطوائف تفرّق. هلّا حفِظنا هذا الدرس البديع الذي وهبتنا إيّاه هبّة لبنان الشعبيّة المجيدة.
(2005)

