كتاب " الإيمان " ، تأليف د. إبراهيم كوكباني ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الإيمان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الإيمان
ما الخلق؟ ما الكون؟ ما الإنسان؟ أسئلة كبيرة طرحها الإنسان العاقل على نفسه ثم راح يجهد النفس في فهمها، وينسب ما أغلق عليه فهمه إلى قوات تفوق الطبيعة، إلى آلهة ترعى هذه الأكوان، منظماً صفوفها في مجموعات يختلف عددها بحسب البيئة والزمن، وقد أنشأ لها طقوساً يمارسها بغية إرضائها واستدرار عطفها.
نحت التماثيل الحجرية، لربات الخصب وآلهة الخير في الكون، كما خلّف على جدران المغاور التي سكنها رسوماً تتعلق بمعتقداته الدينية، ورموزاً ما تزال حتى اليوم مثار جدل بين العلماء. تطلَّع إلى الأعالي، مسكن هذه الآلهة، وراح يقيم لها الأنصاب والمعابد الشاهقة ليظل قريباً منها، وإن صفوف الأنصاب في كرنك (Menhir de Carnac) الواقعة في منطقة بريتانيا الفرنسية هي خير دليل على ذلك.
في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، ابتدع الإنسان فن الكتابة، فاعتمد التدوين ليلج بفضل هذا الاختراع عتبة التاريخ. ثم نحت مختلف أنواع الحجر إرضاءً للآلهة وإكراماً للحكام ومسؤوليهم، وما تزال هذه التماثيل محفوظة إما في أماكنها الأصلية أو في مختلف متاحف العالم، تشهد على تعلق الإنسان بالحجر، ومدى ارتباط تطوّره به، ألم يدوّن حمورابي شريعته على الحجر؟ وكذلك فعل موسى لتدوين وصايا الرب؟
تطوّر فن النحت عبر التاريخ، وقد ارتقى أرفع مرتبة أيام المدرسة الكلاسيكية اليونانية، مع بوليكلات، ميرون وفيدياس، بحيث أن هذه المدرسة ظلت بالغة التأثير حتى النهضة الإيطالية والأوروبية في مطلع القرن الخامس عشر، وأن أعمال ميكل أنجلو تظلّ خير شاهد على ذلك ؛ كما أن الفن الحديث تأثر بها وراح يطبق قواعدها ويستوحي أبهى صورها ولو بوسائل جديدة وتقنيات مختلفة، ولنا مثال على ذلك في منحوتات رودان وسواه من الفنانين المحدثين.
استخدم الإنسان في منحوتاته، كل أنواع الحجارة، من أبخسها قيمة حتى النادر والكريم، لكنّه لم يكتفِ بما هو متوفر، بل راح يفتش عن الغريب منها، فنحت الحجارة السوداء المتساقطة عن بعض النيازك (Aérolithe) اعتقاداً منه بأنها مرسلة خصيصاً من السماوات وبأنها تختزن في داخلها قوى سحرية قادرة على إبراء المريض، تقوية الضعيف، واجتراح العجائب، فكان يضعها، إما داخل معابد قد شيّدها لهذا الغرض، أو يدعها منتصبة في الهواء الطلق لتظلّ على اتصال مباشر مع موئلها الأساس الذي يمدّها مباشرة بكل طاقاته السحرية، وأن حجر الشفاء في معبد أشمون، قرب صيدا، يحاكي بمفاعيله الشفائية محدلة مار نوهرا، قديس النور وشفيع مرضى العيون، الذي يهب الشفاء لكل من يلمسها أو يمرّرها فوق عينيه المريضتين، لذلك سرى منذ البدء هذا القول المأثور: "من آمن بالحجر يبرأ".
الفصل الأول
الضيعة
ما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وفرغ الحلفاء من تقاسم النفوذ في المنطقة، حتى شرع المهاجرون بالعودة إلى الوطن الأم يحملون معهم ما جنوه من أموال، ويجاهرون بأفكار جديدة اكتسبوها في الغربة، داعين إلى إقامة مشاريع قد تعود بالنفع على مواطنيهم. وقصة الاغتراب في وطننا عميقة الجذور، ربما ترجع في أصولها إلى ديدون أو إليسا Elissa التي غادرت صور بعد موت أبيها الملك متّان، هرباً من جور أخيها بيغماليون الذي غدر بزوجها الكاهن الأكبر.
عرف لبنان على مرّ العصور نوعَين من الهجرة، واحدة صغرى تتعلق بنزوح أبناء الريف إلى المدينة طلباً للرزق وتحسين أوضاعهم المعيشية، وثانية كبرى تتناول المهاجرين إلى دنيا الاغتراب النائية، وذلك طلباً للأمان بعد مقاساتهم أهوال الحروب والاضطهاد، وطمعاً بكسب الثروات الطائلة، بحيث أن المهاجر اللبناني قد سافر إلى مختلف أصقاع الدنيا، خاصة العالم الجديد كأميركا الشمالية، البرازيل وأستراليا، ويقدّر عدد المغتربين اليوم بحوالي الخمسة عشر مليون نسمة منتشرين في القارات الخمس، منهم من آثر المحافظة على جنسيته الأصلية، سيما أن القوانين الوضعية تجيز لهم بحمل جنسيتين، ومنهم من تخلى عنها بعد أن استبعد إمكانية العودة إلى الوطن.
يتمتع المغتربون اللبنانيون بأوضاع مالية مزدهرة ومراكز اجتماعية هامة، لذلك عكفت الدولة على أخذ المبادرات الآيلة إلى تمتين العلاقات بين جناحي الوطن، المقيم والمغترب، وبدأ المغترب اللبناني يشعر بمدى هذا الاهتمام ويقابله بالمثل، وهو في عمق وجدانه، ما زال يحنّ إلى تراب هذا الوطن، مقام الآباء والأجداد.

