كتاب " مذكرات أبو فريد " ، تأليف اسبر البيطار ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب مذكرات أبو فريد
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

مذكرات أبو فريد
العمل، قبل الذهاب إلى المدرسة:
كنت كبير اخوتي ووالدي في الجيش، ومسؤولية البيت تقع على عاتقي، هذا ما كانوا يقولونه لي، وهذا تقليد عشائري متّبع وهو بأنه في حال غياب الوالد، فالابن الاكبر هو الذي يتولى تدبير شؤون البيت والعائلة. وبحكم هذه المسؤولية كان المفروض أن أقوم بتموين البيت بالوقود، أي الاحتطاب من الحرش الكبير الذي يلف عندقت من جنوبها إلى شمالها. وبما انه لا يوجد لدينا دابة (حمار أو حمارة) لنقل الحطب فكنت استعير دواب اقربائي وأعمل بالمناصفة، أي يوم لي ويوم لصاحب الدابة (رغم صغر سني البالغ 12 سنة). عند ذلك خطر ببالي الكتابة إلى والدي للحضور إلى القرية ليشتري لي دابة. (حضور الجندي كان نادراً في ذلك الوقت 36 و37) وقد تحققت امنيتي بشراء تلك الدابة. فكنت يومياً انهض باكراً إلى الحرش بمفردي غالباً، ومع رفاق احياناً. احتطب وأنقل الحطب إلى البيت. ولم يسجل عليّ غياب يوم واحد طيلة حياتي الدراسية بل كنت أصل في معظم الاوقات قبل حلول الوقت بربع ساعة. ويا ليت مسؤوليتي توقفت عند ذلك، بل فُرض عليّ، أن أساعد والدتي في تكنيس البيت ومساعدتها في إطعام أشقائي واشعال النار في الموقد صباحاً. وبالفعل لم أرتع بطفولة مرحة في حياتي الا عندما يحضر أبي بإذن من قيادة الجيش، حيث كانت تصله اخباري المدرسية بانني ناجح جداً والرئيسة تقول له: ابنك فلتة. فهذه الكلمات جعلت مني معبود ذلك الوالد الذي لم اسمع منه خلال طفولتي كلها سوى التشجيع والثناء حتى على اعمال الشقاوة والشجار مع الاولاد، وقد كان ينهرني عندما اعود باكياً إلى البيت. فكان يشجعني دائماً على احتمال المشاق ومساعدة الضعيف، وهذا الانطباع الذي غرسه فيّ رافقني منذ صغري وحتى الان. إذ إنه كان يمارس توصياته بالفعل، ولا يكتفي بالكلام فقط، فقد كان دائماً من صانعي الخير ونصيراً للمستضعفين. وإنني اذكر بانه بعد 1948، أي بعد منع الحزب الشيوعي من العمل العلني، بقي والدي الوحيد المتمسك بالحزب.
لم أسجل على ذلك الوالد أي سلوك مشين، ومن المحتمل أنّ حبي وتقديري له كانا يمنعاني من رؤية أي نقيصة فيه. إذ إنه منع الراهبات من ارسالي إلى فرنسا للدراسة على نفقتهم، حيث كنت المرشح الوحيد للذهاب. وعلى الرغم من الضغط الذي تعرض له والدي من الاب الفرنسي شيفري، وهو أب يسوعي، كان مفتشاً للمدارس اليسوعية في الشمال ومن ضابط فرنسي لا اذكر اسمه. وحين خُيّرت بين الذهاب والبقاء قلت لهم: "الأمر يعود إلى والدي"، وكان عمري آنذاك لا يتعدّى الأربعة عشر ربيعاً.
وهكذا بقي والدي مصراً على رأيه معتبراً ذهابي للدراسة في الخارج سيفقده ولده البكر وهو ذراعه الأيمن بالنسبة للبيت، وقد كان خائفاً أن يجعلوا مني أباً يسوعياً، لأنني كنت أيضاً افضل شماس في المدرسة وكنت اخدم القداس يومياً. ولا اعلم اذا كان والدي على حق في هذا التصوّر أم انه كان مخطئاً. فحياة الإنسان محطات، وفي كل محطة هناك عدّة مفارق.
مساعد لراعي البقر:
كانت قريتنا ككل القرى آنذاك تعيّن راعياً للبقر، حيث تجتمع كل الحيوانات صباحاً في المكان المخصص مشكلةً قطيعاً كبيراً مؤلفاً من البقرات الاناث والعجول الصغيرة والمتوسطة والحمير. ونظراً لضخامة القطيع كان الراعي يغرينا بمساعدته لرعاية القطيع ببقائه في أمكنة محددة بعيدة عن الأراضي المزروعة أو المثمرة. وكنا نقضي معظم النهار في مشاركة الراعي الاهتمام بالقطيع حتى المساء، فتكون المكافأة عند ذلك امتطاء الحمير واجراء السباقات المتعددة القصيرة منها والطويلة حسب منعطفات الطريق، إلى أن نصل إلى القرية ويعود كل حيوان إلى مزربه، فيقوم مالكوه باستلامه، فيربط ويعلف ويحلب البقر.
عادات اندثرت: كان يوجد بين النساء عمل تعاوني او نوع من "الاشتراكية". فالنساء اللواتي يملكن بقراً حلوباً يؤلفن جمعية فيما بينهنّ، فيجمعن الحليب يومياً عند واحدة منهن لمدة أسبوع او أسبوعين بحسب مقادير الحليب التي تقدمها كل واحدة، وتحفظ كل منهن كمية الحليب التي قدمتها طيلة مدة الدورة. وهكذا، ينتقل الدور، من بيت إلى آخر، فتبدأ كل منهن بتقديم الحليب وتعيد ما استدانته اثناء دورها ثم تسلّف الأخريات، إلى ان ينتقل الدور إلى بيتٍ آخر الخ... حتى يأتي الدور على الجميع ثم تعاد العملية مرة اخرى. وكانت اجمل الاوقات الصباحية عند الاستماع إلى اصوات النسوة وهنَّ يتشاجرن ويصفن بعضهن بعضاً بأوصاف ونعوت لا توجد في اي قاموس في الدنيا. فالتي تتهم رفيقتها بسوء الامانة كمزج الحليب بالماء، أو الزعبرة بالكيل أو الكذب بقيمة الحليب المسلف. ومعظم الاوقات تنتهي المشاجرة بالكلام البذيء، ونادراً بشد الشعر أو طرد المشاجِرة من الدور. فهذا العمل التعاوني لم يبق منه سوى الذكريات. وما أجملها تلك الذكريات.

