كتاب " في مهب العاصفة " ، تأليف الفضل شلق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب في مهب العاصفة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

في مهب العاصفة
النخبة وانهيار الدولة
الدولة تبنيها النخبة الثقافية. تبلور أفكاراً. تعبّر عن مجتمعها. لا تنوب عنه بل تفكّر معه، تعرف حاجاته ووجدانه ومشاعره، تنير الطريق له بمقدار ما يكون التصاقها به حميماً. تعرف النخبة تماماً أن المجتمع يتفكّك حين تنهار الدولة، فالدولة هي الإطار الناظم لكل المجتمع. وعندما تقتصر على نصف المجتمع أو أقل تصير مجرد سلطة، ونظاماً للقمع. منذ فجر التاريخ نشأت أنظمة للحكم بالغلبة. تصير الغلبة شرعية عندما تصنع النخبة للسلطة مشروعاً يجعلها مقبولة لدى رعاياها. وفي العصر الحديث يصير الرعايا مواطنين عندما يشاركون في هذا المشروع عن طريق الحوار والنقاش والتواصل، أي عن طريق السياسة.
لم يعد الحوار في لبنان طريقاً للتواصل بل لإعلان موقف. وكل موقف يقرّر سلفاً على أساس غريزة اصطنعت. الغرائز السياسية والطائفية لا تولد مع الإنسان بل تنشأ لاحقاً، فهي إنشاءات اجتماعية سلطوية. وما الاصطفاف المذهبي والطائفي الراهن إلا مؤشر على عمق الانقسام وعلى انقطاع التواصل وعلى إلغاء السياسة. لا يضيف الحوار شيئاً إلى المعرفة لدى الأطراف المتحاورة. لا أحد يريد أن يضيف شيئاً إلى ما يعرف، كل طرف له حقيقته، ولا مجال للإضافة أو النقصان، لا مجال للحوار، وكل شيء يُعد سلفاً. وتعليب الآراء مهنة رائجة في عصر ما بعد الحداثة. وهذه المرحلة ليست إضافة للحداثة، بل هي مرحلة جديدة كل الجدة تلغي الحداثة، إن كان شيء منها موجوداً؛ إذ تحل الآراء، والأوهام والسرابات مكان الوقائع، فتصير المعرفة الموضوعية غير مرغوبة، وشبه مستحيلة.
إن علّة وجود النخبة الثقافية هي المعرفة. تُصاغ المعرفة من معلومات. المعلومات دائماً «نيئة»، والمعرفة دائماً «مطبوخة». هي الصيغة التي توضع في إطارها المعلومات، هي الرأي الذي لا بد أن يستند إلى معلومات.
تقصّر النخبة في تأدية مهامها عندما تتيه في خضم المعلومات. والأسوأ عندما تعزف عن التحقق من المعلومات، وعندما تصير المعلومات لا مواد أولية للمعرفة بل نتاجاً للمواقف المسبقة. تفقد النخبة الثقافية مبرّر وجودها عندما يصيبها العجز في المجال المعرفي. والقصور المعرفي هو السبب الأساسي للقصور في صياغة مشروع للدولة. وعندما لا يكون للدولة مشروع تتحوّل إلى مجرد نظام للقمع، سواء القمع بالقوة كما في معظم الأنظمة العربية، أو القمع عن طريق الاصطفاف الرضائي كما في الديموقراطية اللبنانية. الجميع ينضمون في صف السلطة بطريقة أو بأخرى. ومن لا يرضَ بالاصطفاف يعاقَب.
وما يحدث على الأرض اللبنانية الآن هو حروب متعددة في آن معاً. الحالة لا تشبه أيّاً من الحروب اللبنانية السابقة. يستعصي الفهم والإدراك بالرجوع إلى سبب واحد لما يجري. لكن الحاصل هو أن كل طرف يعتقد أنه هو المستهدف. ما عاد مهماً ماذا يُقال أو ماذا يقترح من أجل التسوية، بل الأهم هو مَن يقول كي يُرفَضَ كلامه من أجل رفض أي تسوية. تلاشت القضايا. تتحكّم العنصرية التي تضاف إلى الاستقطاب المذهبي والطائفي لتشكّل بؤرة قابلة للاشتعال في أية لحظة. يقرّر المواقف أهل السياسة من أنصاف المثقفين وأرباعهم. تنضم تحت ألويتهم جحافل المثقفين. في هذا الجو تستحيل المعرفة. تساهم النخبة الثقافية في ذلك بكل جوارحها وتلغي بذلك مبرّر وجودها.
تغيب القضية، تنهار الدولة، تتراجع السياسة. لا يبقى ما يجمع أبناء الوطن. تستحق المسألة من النخبة الثقافية أن تغيّر نهجها الثقافي، وذلك بالتدقيق بالمعلومات أولاً، كي يتاح لها إمكان المعرفة الصحيحة، وأن تغيّر من أسلوبها في إنتاج المعرفة وإعطاء الأحكام فتُقلع عن منهجية التعليل الواحد لقضية معقدة حمّالة لأوجه متعددة. وعندما تتسلح النخبة الثقافية بمعرفة حقيقية فإنها تصبح حاجة للنظام، وتخرج من وضعها الحالي، ولا تبقى مضطرة للتسكع على أبواب سلطان المال والقمع والوعي السائد. على العكس من ذلك تستطيع النخبة الثقافية حينذاك أن تجدّد الوعي السائد، وأن تخرج من وعي حالي يفرضه أهل السياسة من أنصاف وأرباع مثقفين.
عندما تخرج النخبة الثقافية من استنقاعها الحالي ومن حالة الانقماع الذاتي، الانقماع الذي ترضاه لنفسها، تصير هي صانعة المعرفة ولا تبقى في وضعية المتلقي للمعرفة التي يصنعها لها غيرها، المعرفة التي تنتجها قوى الموالاة والمعارضة؛ وفي معظم الأحوال تكون هذه المعرفة والمواقف المترتبة عليها هي حصيلة الشعارات التي تصوغها وسائل الإعلان المدفوع لها.
عندما تتسلح النخبة الثقافية بالمعرفة تستطيع التعبير عن مجتمعها وتنحاز حكماً لصالح الدولة، وتخرج من المعرفة المسطحة المبسّطة التي يفرضها الصراع على السلطة الدائر حالياً بين قوى الموالاة والمعارضة. وعندها فقط تصير النخبة الثقافية فئة اجتماعية مستقلة يستحقها مجتمعها، مستقلة ترفع الرأس أمام الآخرين ولا تحتاج إلى التسكّع والتسوّل لتسويق المعلومات والأفكار التي تصنع لها في مصانع السلطة.
يستحق المجتمع، ويحتاج بناء الدولة، إلى نخبة تؤكد على دورها فتتسلح بالمعرفة وتنحاز إلى مجتمعها وتبني مشروعاً للشرعية وتفرض على السلطة العودة إلى كنف الدولة. بذلك تؤكّد النخبة على دورها الأخلاقي وعلى التزامها السياسي، في زمن شاع فيه الفصل بين المعرفة والسياسة وبين الأخلاق والسياسة. فالسياسة بما هي إدارة شؤون المجتمع، لا مجرد الصراع على السلطة، هي أرفع وأسمى النشاطات الإنسانية، وهي تستحق الدمج مع المعرفة والأخلاق كي تشكّل إطاراً موجِّهاً لهما، وكي يصبح كل ذلك إطاراً ناظماً للمجتمع. تنهار الدولة عندما تكون الحكومة ممثلة لنصف المجتمع، وعندما تنهار الدولة يتفكك المجتمع، ويقودنا ذلك إلى أسوأ النتائج.
من أجل بناء الدولة ووحدة المجتمع ومنع الأسوأ نوجه هذا النداء. وما تبقى لدينا الكثير من الوقت.
1/6/2007

