كتاب " في مهب العاصفة " ، تأليف الفضل شلق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب في مهب العاصفة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

في مهب العاصفة
نمارس السياسة لا لإنقاذ المجتمع من نفسه بل لكي ننسجم مع المجتمع في تغيره. وهنا الفرق بين الحداثة والتحديث. الحداثة واقعة حكماً، لأننا جزء من هذا العالم الذي لا يقف مكانه. إن التحديث تعبئة وتحشيد حسب صورة مرسومة سلفاً. يقود التحديث إلى الاستبداد بحكم السعي لفرض الصورة المرسومة سلفاً لدى من يعتقدون أنهم يعرفون حاجات الناس أكثر مما يعرفها الناس أنفسهم. التحديث مهمة الذين يريدون إنابة أنفسهم عن المجتمع، وأكثر من لهم قدرة على ممارسة هذه الإنابة هم الذين يملكون القوة في المجتمع، سواء كانت قوة المال أو قوة الرموز الثقافية أو قوة الرموز المالية. وغالباً ما ينتهي كل هؤلاء في أحضان العسكر والأجهزة الأمنية لتحقيق ما يعتبرونه حقاً وحقيقة.
للسياسة معنيان، أولهما يتعلق بالصراع على السلطة، وثانيهما يتعلق بإدارة شؤون المجتمع والمساهمة في بناء الدولة. النوعان مبرران وضروريان. لا بد من دولة تكون إطاراً ناظماً للمجتمع، ولا بد من سلطة تحكم وتضبط الأمور. ولكل أمرئ مزاج. وما كان مزاجي يوماً إلا مع السياسة بمعنى بناء الدولة. لا أحب الانخراط في متاهات الصراع على السلطة.
لكن للمسألة وجه آخر على الصعيد الفكري. سمعت يوماً أحد كبار المسؤولين في المرحلة الناصرية يتحدث عن الوحدة العربية قائلاً: نريد وحدة مجتمعات عربية لا وحدة دول. يطرح هذا القول إشكالية الوحدة العربية بالمقلوب، ويؤدي إلى النتائج عينها التي يؤدي إليها التحديث. إذا لم تكن هناك وحدة من نوعٍ ما بين العرب، من المحيط إلى الخليج، وإذا لم تكن العروبة هي خيار المجتمعات العربية، أفراداً وجماعات، فما معنى السعي لفرض وحدتهم، إلا أن تكون نوعاً من الاستبداد؟ في نظري، تمر الوحدة العربية عبر وحدة الدول العربية، وتمر وحدة الدول العربية عبر بناء الدولة القطرية، وإجمالاً تمر الوحدة العربية عبر بناء الدولة من أي نوع كانت، قطرية أو غير قطرية، استبدادية أو ديمقراطية، رجعية أو تقدمية. ولا أرى إهمال شأن الدولة لدى النخب العربية وأحزابها. القومية واليسارية والإسلامية، في القرن العشرين، وخاصة بعد استقلال البلدان العربية في أواسط القرن الماضي، سوى خطأ كبير أدى إلى ما نحن عليه. وما نحن عليه الآن جوهره الهزيمة وتأخر التنمية. ولا أرى أيضاً المحاولات المتكررة الآن لزج الجمهور العربي في مواجهة مع التحديات الخارجية دون المرور عبر الدولة سوى وصفة أخرى للخراب ومنطلقاً لحرب أو حروب أهلية عربية. لا مناص من بناء الدولة، ولا مناص من السعي الدائب لإلزام الدولة، كل دولة عربية، بمطالب الجمهور العربي.
ليست مهمة السياسة تغيير الجمهور بل احترامه، احترام الناس بعجزهم وبجرهم، دون انتقائية ودون استعلاء. نحن أمة مفتوحة، عبر التاريخ، صلة وصل أكثر منها كياناً مغلقاً. لا تحتاج هذه الأمة إلى نظرية قومية مغلقة، لا تحتاج إلى براهين تثبت وجودها. الأمة المفتوحة ينتمي إليها من يشاء ويخرج منها من يشاء. هناك شعور عام بالعروبة، بالانتماء العربي، وعلينا احترام هذا الشعور. الأرجح أن هذا الشعور مؤسس على اللغة. اللغة وحدها لا توحد، فهناك أمم مختلفة تتكلم اللغة نفسها. وبغض النظر عما إذا كان للغة سحر خاص عند العرب، يتوجب علينا كما على غيرنا احترام ما يعتبره العرب هاماً بالنسبة لهم. لا يحترم الغرب ذلك. ربما كان إيجاد دولة إسرائيل حركة واعية تجسد هذا اللاحترام. لكن مواجهتنا مع الغرب هي مواجهة سياسية لا ثقافية، هي منافسة على الثقافة العالمية وفي إطارها. لم تكن الثقافة العربية، أيام وجود الدولة العربية المركزية، إلا ملتقى لحضارات العالم وثقافاته. نحط من شأن هذه الثقافة إذا جعلناها غير ذلك.
التحرر شأن سياسي وليس ثقافياً. التحرر الثقافي نوع من العزلة والانعزال. وفي الانعزال فناء. نتحرر من الغرب سياسياً بمواجهة امبرياليته ورأسماليته. باستخدام وعيه وثقافته التي ما كانت في مختلف مراحل التاريخ إلا ثقافتنا أيضاً. ساهمنا في الماضي في بناء الثقافة العالمية. ولا لزوم للخروج منها الآن، إلا إذا كان الهدف هو غير مصلحة جمهور أمتنا.
من هذه المنطلقات، وما يشبهها، نمارس السياسة. من هذه المنطلقات نكتب. علينا أن نكتب للإيضاح والتواصل، في حين أنه يمكن أن تكون الكتابة من أجل الانقطاع والتعمية. الكتابة من أجل الإيضاح والتواصل إشكالية كبرى، خاصة في ظروفنا العربية.
ربما كان التواصل والإيضاح عن طريق مقالات محدودة في عدد الكلمات. وذات جمل قصيرة وأفكار متعددة، لا يتسنى التطرق إليها سوى بالإشارة أحياناً، هو وسيلة مناسبة لممارسة سياسة تعبر عن الانتماء أكثر مما تدعي التعبئة والتحشيد. ما أتمناه هو أن أكون محقاً فيما أقول، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية الخطأ والصواب. وإنني إذ أمارس التسامح مع نفسي، أرجو تسامح القارئ معي.
مرة أخرى، أريد التأكيد على مسؤوليتي الكاملة عما أكتب، وعما ورد في هذه المقالات. مع شكري وامتناني لمن ساهموا في النقاش والتنبيه إلى الأفكار وإلى ما هو غثّ أو ثمين بينها.
لم أغيِّر شيئاً في هذه المقالات سوى بعض التصحيحات اللغوية، إلا أنني أعدت ترتيبها تحت العناوين الرئيسية: لبنانياً، عربياً ودولياً.
أخيراً أشكر صحيفة السفير على إعادة نشر هذه المقالات مع التهاني بعيد تأسيسها السادس والثلاثين. التهاني للأخ الصديق الأستاذ طلال سلمان وجميع العاملين فيها، وجميع من عمل فيها وتخرج منها. تبقى السفير صوت من لا صوت لهم، وتبقى رأس حربة الدفاع عن قضايا العرب الأولى في لبنان وغير لبنان. أنا من الذين تعودوا على السفير يومياً، فهي جزء مني وأنا سعيد أن أكون جزءاً منها.

