كتاب " في مهب العاصفة " ، تأليف الفضل شلق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب في مهب العاصفة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

في مهب العاصفة
مؤتمر باريس ...العودة إلى الحوار والسياسة؟
جاءت الدعوات إلى مؤتمر للحوار اللبناني سيعقد في إحدى ضواحي باريس. الحوار هو جوهر السياسة. هو المطلوب في كل زمان ومكان. نعلق آمالاً على كل حوار مهما كانت التوقعات. ما تعوّد اللبنانيون على توقع الكثير من حوارات الطبقة السياسية في لبنان. لكن الأمل يجب أن يستمر. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
ستكون رعاية المؤتمر فرنسية. ستكون مدعومة أميركياً. مع التمني للمؤتمر بالنجاح، إذ الوضع في لبنان لا يحتمل التأجيل؛ فالواضح أنه لم يعد هناك بلد عربي يستطيع استضافة المؤتمر (كما في الطائف، مثلاً). المبادرات العربية لم تفلح، نتمنى أن يفلح المؤتمر الذي سينعقد في باريس. كل شيء يشير إلى أن المصير، في لبنان والمنطقة، يقرّر غربياً. بما أن الأمن والاستقرار لهما الأولوية على كل أمر اقتصادي وسياسي واجتماعي، إلخ... فإن تأييد المؤتمر وتمني النجاح له يعتبران تحصيل حاصل.
ماذا يمكن أن يناقش المتحاورون في مؤتمر باريس مما لم يكن ممكناً مناقشته في مؤتمرات الحوار في بيروت؟ المواضيع نفسها. الراعي يتغيّر. الراعي هناك أكثر قوة وسيطرة عالمية. هو يعرف أكثر من غيره ما يجب أن يحدث في هذا العالم؛ لسبب بسيط جداً هو أنه هو الذي يقرّر ما يجري في العالم.
في مؤتمر الطائف نوقشت الورقة التي قدمها لبنانيون (الشهيد رفيق الحريري). أقرها نواب لبنانيون (من كان بقي منهم على قيد الحياة بعد 27 سنة من آخر انتخابات نيابية). الرعاية والاستضافة كانتا عربيتين. مبادرة الأمير عبد الله للسلام مع إسرائيل والتي أقرت في قمة بيروت 2002 جوبهت بحرب ضروس ضد الفلسطينيين في اليوم التالي لاختتام القمة. اتفاق مكة المكرمة بين الفلسطينيين برعاية الملك عبد الله حولوه إلى حرب أهلية برغم قيام حكومة الوحدة الوطنية. لم يصبح الفلسطينيون مؤهلين للسلام، ولا لحكم أنفسهم بأنفسهم، ما لم يعطوا شهادة حسن سلوك من الجهات المعنية الإمبراطورية، بعد أن يتقيّدوا تقيداً تاماً بالشروط (بالصورة) المرسومة لهم. مبادرات السلام الجدية منذ 1948، كانت معظمها عربية. لم تحقق أي منها نتائج لأن العرب في نظر الإمبراطورية لا يستحقون السلام. يستحقون أن يكونوا موضوعاً للحرب فقط.
في خضم حرب الإرهاب العالمية التي تشنها الإمبراطورية على العرب لا يبالغ أي عربي أو لبناني بإعطاء الأولوية للاستقرار. يتمنى الاستقرار عن طريق أي مؤتمر للحوار، سواء أكان في بلد عربي أو أوروبي أو أميركي. الاستقرار أفضل وسائل المواجهة ضد الحرب. المقاومة خيار ثان: في مواجهة الاحتلال فقط. لا نحصل على الاستقرار. تدخل حرب الإرهاب المبرمجة الاحتلال الى عقر دارنا. تنشأ مقاومة؛ في مجتمع يتكسر تحت وطأة الضغوط الخارجية وترسيمات الفرق الأصولية المحلية، يمكن لمقاومة أخرى أن تنشب. الحرب الأهلية لا تحصل نتيجة تنوعات دينية ومذهبية وإثنية، بل نتيجة سياسات وممارسات تؤدي إليها تدخلات النظام العالمي في ظروف البلد المعني. كل بلد متنوع إثنياً ودينياً، ولا حروب أهلية في كل بلد؛ لا تحتاج الحروب الأهلية إلى تنوع كي تغذي نفسها. الحروب الأهلية تغذيها وتستفيد منها سياسات محددة في ظروف تاريخية محددة. هي إنشاءات سياسية.
الحروب الأهلية في كل مجتمع حالات طارئة. ليست صفات تتسم بها ثقافات معينة. لا تنشأ نتيجة فشل اجتماعي وثقافي لمجتمع؛ لا تحدث نتيجة خطأ ارتكبه مجتمع، بل تحصل نتيجة سياسة تركَّب داخلياً وخارجياً بحق المجتمع المعني.
سيذهب المدعوون إلى مؤتمر باريس. سيحمل كل منهم موقفاً. سيكون نجاح المؤتمر مرهوناً بتسوية يتفق عليها الجميع. لا ترضي التسوية أي طرف بالكامل، لأن على كل طرف أن يتنازل عن بعض من موقفه من أجل الالتقاء مع الأطراف الأخرى في نقطة أو مساحة مشتركة. الأمل أن يكون عند جميع الأطراف استعداد لتقديم بعض التنازلات. خطاب التأكيد المؤدي إلى إصرار كل طرف على مواقفه المسبقة لن يكون منتجاً لتسوية ولن يكون مقبولاً من الجمهور اللبناني.
يحتاج المؤتمر إلى تحضيرات أهمها تقديم ورقة عمل تحوي اقتراحات للحلول والتسويات، أسوة ببقية المؤتمرات الناجحة (مؤتمر الطائف، مثلاً).
تستطيع الحكومة أن تطرح برنامجاً للحل. وما تتمتع به من دعم خارجي يتيح لها أن تكون أكثر فاعلية. وأن تتلافى انفراط الدولة والمجتمع، وأن تحول دون فرض حلول قسرية تدفع بعض المتحاورين إلى مقاومتها خلال المؤتمر أو بعده. وإذا فعلت الحكومة ذلك تكون قد أدت دورها السياسي في إدارة شؤون المجتمع). هذا الدور مطلوب منها حسب القانون والدستور.
في غياب السياسة والحوار تتفاقم التشنجات المذهبية والطائفية والعنصرية والطبقية وغيرها... يمكن لكل منها أن تتحول إلى أصولية متطرفة. مع انتشار الأصوليات تتلاشى المساحة المشتركة بين الناس، وتتفاقم النزاعات. لا بد من إيجاد مساحة مشتركة واجتراح التسويات التي تُبنى على أساسها.
الويل لمجتمع تغيب عنه السياسة ويتلاشى فيه الحوار.
6/7/2007

