كتاب " في مهب العاصفة " ، تأليف الفضل شلق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب في مهب العاصفة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

في مهب العاصفة
من الطائفية إلى الأصولية؟
انفلت الخطاب الطائفي من عقاله. بلغ مستوى غير مسبوق من العنف. فما يقوله أبناء الطوائف بين بعضهم أسوأ مما يصرح به السياسيون أو ما يتبادله من كلمات أبناء طوائف مختلفة عندما يجتمعون. والمشكلة هي أن الطائفية عندما يندفع منطقها إلى نهاياته تتحول إلى الاصولية حتماً؛ وهذا ما لا يدركه اصحاب الخطاب الطائفي (واذا كانوا يدركونه فالمصيبة أعظم)، وما لا يدركه القادة السياسيون المرتاحون لكون التشنج الطائفي لم يتحول بعد إلى حرب اهلية.
تتعلق الطائفية بوجود جماعات وسيطة تسمي نفسها طوائف، وتلعب دور الوساطة بين الفرد والدولة. الطائفة تحول الافراد إلى رعايا لها. تمنعهم من المشاركة في الدولة الا عن طريقها. تحول بينهم وبين ان يصيروا مواطنين. آلية عمل الطائفية لا تترك الخيارات مفتوحة لأتباعها. تصادر تنوع الهويات في كل فرد منهم، تفرض على كل فرد هوية واحدة؛ تمنع الخروج وحق الخيار. الوسائل التي تتبعها مخيفة. اهمها العزلة الكاملة. وقد عاناها كل من خرج على طائفته في العقود الماضية. لا يعتبر الخارجون على الطائفة وطنيين بأعلى مستويات الانتماء، بل يعتبرون خونة لطائفتهم.
تتعلق الأصولية، وهي شائعة بين كل الاديان على الكرة الأرضية، بالجماعة (أو الجماعات) الوسيطة بين الفرد والله. لا تعتبر الدولة الراهنة، في البلدان الإسلامية وغيرها، دولة شرعية. لا تأبه إلا لدولة الخلافة؛ تجهد كي تعيد المواطنين إلى الحالة التأسيسية الاولى. تدعو إلى الاعتماد على النصوص الاولى التأسيسية. تلغى تراكمات التاريخ من ممارسات دينية وتفسيرات للنصوص. لديها تفسير واحد للنصوص، ومن لا يتقيد بهذه النصوص تعتبره كافراً. لا تأبه للمذاهب الاخرى. تكفّر المجتمع، تعتبره جاهلية جديدة. تناضل ضده. تنقل نضالها من الجهاد ضد الأبعدين (الغرب) إلى الجهاد ضد الاقربين (المسلمين الآخرين).
بعد تمتين الصلة مع السماء تعود الاصولية إلى الارض للاهتمام بشأن العباد والدولة. تناضل ضد الدولة سواء أكانت في مجتمع اسلامي ام في غيره، وتعتبرها كياناً غير شرعي. تناضل ايضاً ضد المجتمع الإسلامي. تعتبره جاهلية جديدة، عادت به إلى حالة الكفر. يكفّرون المجتمع؛ ويشكل التكفير اساس برنامجهم السياسي. لا حوار بينهم وبين المسلمين الآخرين. هم حالة جهادية لهداية الامة. ما يسمونه سياسة هو في النهاية انقطاع للحوار وللسياسة.
يخرج الأصوليون التكفيريون من المجتمع، ويختفون عن انظار الدولة، فهم يدينون المجتمع ولا يستطيعون العيش معه. هم يدينون الدولة وهي تلاحقهم.
تستطيع الطائفية ان تمارس علاقة مع الدولة. هي لا تريد اكثر من مصادرة أتباعها لتوزعهم بعد ذلك على السياسيين الذين تتشكل منهم السلطة. التعاطي مع السلطة هو في اساس البنية الطائفية، ولا تقوم البنية الطائفية إلا على أساس الدولة وفي إطارها. ففي الدولة مغانم لا بد من اقتسامها. وكل طائفة تريد حصتها، وإلا فإنها تخرج أو تُعْزَلُ، والحالتان تؤديان إلى انهيار الدولة أو توقف اعمالها؛ وفي حالة التقاء عوامل خارجية معينة يمكن ان يقود الخروج والعزل إلى الاقتتال.
تستند الطائفية الاصولية إلى الأسس ذاتها. لكن واحدة منها تستطيع التعايش مع الدولة والمجتمع، والأخرى ترفض ذلك. من المعروف أنّ الجماعات الجهادية التكفيرية خرجت من رحم الجماعات الإسلامية التي تخوض الانتخابات (إذا سمحت لها الدولة) وتبذل الجهد لتمثيل المجتمع في الدولة. الجماعات الإسلامية لا ترفض الدولة أو المجتمع، بل تختلف مع وجهة نظرهما وتريد أن تكون جزءاً منهما مع الحفاظ على اختلاف وجهات النظر.
لا تستطيع الأصولية تحمل اختلاف وجهات النظر. تدعو الآخرين إلى الاهتداء. إما ان يصير الآخرون إلى شبه بها وإما أن يصار إلى تكفيرهم.
ما لا نستطيع تجاهله هو أنّ التشنجات الطائفية يمكن ان تدفع بأصحابها إلى رفض الاختلاف، والإصرار على تكفير المختلف والى الجهاد من أجل أن يصير المختلفون متشابهين. ما لا نستطيع تجاهله هو أن اليأس السياسي قد يؤدي بأصحابه إلى الإحباط والى رفض كل انواع الحوار والنقاش وإلى الجهاد على انه السبيل الوحيد للخلاص. ما لا نستطيع تجاهله أنّ حدة النقاش الطائفي في لبنان قد تدفع الأطراف المختلفة، على الصعيد الشعبي، إلى رفض مبدأ الحوار والى الانتقال نحو أصولية دينية من نوع مذهبي.
كل خلاف ديني مذهبي داخل الجماعات الدينية بدأ خلافاً وسياسياً وتطور في اتجاه إيجاد مبررات دينية تصنف الناس بين مؤمن حقيقي ومؤمن خارج عن الايمان الصحيح. وما يُخشى منه الآن هو أن الخلافات السياسية، على قاعدة طائفية متشنجة، يمكن ان تقود إلى تعميم الاصولية لدى الطوائف والمذاهب. وعندها، لا يبقى إلا اللجوء للجهاد واستخدام وسائل العنف فيما بينها.
إنّ الخطاب الشائع لدى المثقفين ورجال السياسة ورجال الدين، بل لدى عموم الناس، هو خطاب متشنج واثق من حقائقه؛ يقرر حقائقه بغض النظر عن الوقائع. في هذا الخطاب كثير مما هو مشترك مع الخطاب الأصولي. والكلام عن اسلمة لبنان هو الوجه الآخر لما يظهر حسنه (بل بشاعته) الضد.
عندما تتحول الطائفية إلى أصولية، وعلى الأرجح سيكون التحول فجائياً بوسائل العنف، سوف يترحم الجميع على الطائفية. التشاؤم في المرحلة الراهنة أكثر تعقلاً من التفاؤل أو من اعتبار أنّ الأمور سوف تبقى طبيعية.
20/7/2007

