كتاب " تداعي الإسلام السياسي " ، تأليف سليمان تقي الدين ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب تداعي الإسلام السياسي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
تحاوروا في مشروع الدولة لا على هامشها
قانون الانتخاب وحده لا ينتج الطائفية ولا يلغيها. المجتمع الطائفي يزحف على ما بقي من مدنية وعيش مشترك ومسلمات وطنية وثقافة حرية وأشكال من ديموقراطية السلطة. لم يعد «التكاذب المشترك» قادراً على تمويه الأزمة الكيانية، أزمة الاجتماع السياسي وأزمة العصبيات الحزبية الشعبوية التي تنفخ في جمهورها روح التمايز والامتياز.
لم تكن الطائفية يوماً ولن تكون عادلة. الطائفية هوية جماعات تبحث عن كيان سياسي وعن سلطة نابذة لحقوق المواطنين ومتعدية على حقوق الجماعات الأخرى. الطائفية لا تنتج تمثيلاً عادلاً إلا إذا صارت فعلاً أجساماً منفصلة متعايشة لا تقبل التدخل في شؤونها. تلك العدالة تقتصر على فكرة الانفصال ولا تشمل جمهور الطوائف نفسها.
لم تعد الطائفية في لبنان نظام مشاركة بل نظام تقاسم للسلطة وتقسيم للمجتمع. بلغت أزمة النظام ذروتها حتى خرج من يدعو إلى استقلال كل طائفة باختيار ممثليها. إن دلّ هذا على شيء فعلى المأزق الذي يعيشه اللبنانيون في صياغة صحيحة لاجتماعهم السياسي. المسألة لم تكن يوماً مسألة أفكار واقتراحات ومشاريع بل هي في عمق المجتمع الذي أفرز ظاهرات الأحزاب الطائفية والدينية والثقافات الإلغائية والحصرية والهويات المنغلقة المتوترة المتناحرة. هذه كلها تداعيات «صهينة» الحياة السياسية وانحطاطها، وهي تبدأ من إنكار المساواة بالآخر حتى تصل إلى إنكار حقه في الوجود. تحول مفهوم التعايش عندنا إلى فعل سيطرة ورفض للسيطرة وليس إلى فعل إنساني مشترك. أصبح اقتراح مشاريع متعددة لقانون الانتخاب مهزلة تنطوي على نتائج مأسوية. فلا ندري بعد ما إذا كان اللبنانيون يريدون الحرية والعدالة لهم جميعاً أم يريدون الاستمرار في إنكار بعضهم بعضاً.
فإذا كان اللبناني المنسوب إلى طائفة لا يؤتمن على وظيفة معينة، وذاك لا يؤتمن على أخرى، أو لا يتمتع هذا وذاك بالواجبات والحقوق نفسها، فتلك هي الوصفة المثالية لتمزيق النسيج الاجتماعي والولاء الوطني. حين نقترح على الطوائف أن تكون جماعات ثقافية أو هيئات حارسة للتعدد والتنوع والحوار والمسالمة نراها تصر أن تكون مؤسسات خدماتية تجارية استثمارية نفعية في قبضة فئات وشرائح من أصحاب الحظوة والنفوذ. لم نعرف يوماً كيف كانت هذه التوازنات الطائفية ضامنة لحقوق أية جماعة، أو مصدراً لارتقاء جميع أفرادها، أو نافية لمشكلات باتت تجرف معظم اللبنانيين في دروب الفقر والمرض والبطالة والهجرة، وتجند بعض فئاتهم عن حاجة أو عن جهل، في التقاتل لتعزيز سلطة هذا الحزب أو ذاك وهذه الجماعة من هذا الحزب أو تلك. القضية الأساسية التي يدور حولها التاريخ اللبناني هي أن نتفق على إدارة الشأن العام في خدمة جميع المواطنين المتساوين وليكن ما يكون من صيغة النظام السياسي.
الانتقائية والاستنسابية في التعامل مع الدستور يشارك فيها الجميع من دون خجل. يعطي الدستور اللبنانيين الكثير من الحقوق التي جرى تعطيلها. مرجعية الدستور تكون شاملة أو لا تكون. هذا ما يحصل عندنا في ظل سلطات الأمر الواقع التي نشأت في ظل الاحتلال والوصاية. ما كان ظروفاً استثنائية تفسر التطبيق المشوّه للدستور لم تعد كذلك اليوم.
إما أن نعيد الاعتبار لمشروع الدولة الواحدة، دولة القانون، أو أننا ذاهبون إلى أشكال من الحروب لا تنفع حيالها كل القوانين وكل المكاسب والضمانات. يختلف اللبنانيون بالتأكيد حول قضايا كثيرة منها قانون الانتخاب والنظام السياسي كذلك. لكنهم في أكثريتهم ليسوا في وارد دعم ومساندة أي مشروع يأخذهم إلى الحرب الأهلية. يعرف اللبنانيون مآسي العنف والحروب ويتذكرون تجربتهم وهي تجري في محيطهم اليوم. ما يفتقدونه هو وسائل التعبير ووسائل القوة للوقوف بوجه الخطر الداهم. هذه اللحظة السياسية مناسبة للمبادرة ضد احتمالات الحرب أو بعض مظاهرها الدائرة ولتصحيح النقاش السياسي والجدل القائم.
ليس هناك من وسيلة قادرة على استبعاد العنف إلا الحوار وأشكال التعبير الديموقراطي. لا حل لمشكلات اللبنانيين وخلافاتهم إلا بسلوك طريق الاستفتاء الحقيقي. أزمة قانون الانتخاب كانت على الدوام أنه لا يشكل وسيلة صحيحة لقياس اتجاهات الرأي العام. عدالة التمثيل يجب أن تبدأ من حق جميع الناس في إبداء رأيها وموقفها. كل الانتخابات جرت على أساس مصادرة مسبقة لرأي الجمهور. وما زالت جميع الصيغ المطروحة تحمل عناصر المصادرة. الأسئلة الفعلية مغيّبة. من هم اللبنانيون الذين نريد تمثيلهم. هل مجموعة طوائف فقط، هل سكان أقاليم ومناطق. هل أحزاب الطوائف وزعماؤها. وهل بهذه الصفة يكونون لبنانيين أم يكونون جماعات متجاورة أو متساكنة لا يجمع بينها مجال عام أو هوية وطنية أو صالح عام تحتاج إلى الشراكة فيه؟ على القوى السياسية أن تجيب عن هذه الأسئلة قبل أن تقترح علينا أية صيغة لإدارة شؤوننا. ولماذا لا نذهب في الحوار إلى القضايا الأساسية ونمارس لعبة التمويه والتعمية في ما خص هوية نظامنا السياسي وشكل الدولة؟
لم تعد تصدمنا أية فكرة أو اقتراح. لم تعد هناك محرّمات أو مقدسات. كل شيء قيل في هذا البلد وجرّب. رفعت شعارات ووضعت برامج للتقسيم، للفيدرالية، للحياد، للاندماج مع سوريا، للتحالف مع إسرائيل، للدولة الدينية وللدولة المدنية، ولم يكن ذلك موضع محاسبة لأحد. واليوم تتصرف الطوائف كأنها دول مستقلة ولا تخشى من صورتها أو من مساءلتها. لماذا نجزئ الملفات ونجعلها مصدر أزمة دائمة. مرة السلاح ومرة قانون الانتخاب ومرة الموازنة إلخ..
إذهبوا إلى الأصل وقولوا لنا أي وطن ودولة ومجتمع تريدون.
19/1/2013


