أنت هنا

قراءة كتاب بنو إسرائيل عبر التاريخ

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بنو إسرائيل عبر التاريخ

بنو إسرائيل عبر التاريخ

كتاب " بنو إسرائيل عبر التاريخ " ، تأليف د.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 5

ومنهم من أغفل عدة جوانب لا تخدم مصالح اليهود، خوفًا من الاتهام بمعاداة السامية، ومنهم من كرَّس بحثه للوصول إلى الحقيقة المجردة دون النظر إلى تحيز معين، ودون التخوف من التشويه والعقاب والاتهام بمعاداة السامية والإنسانية.. الخ، وكان من ضمن الباحثين عدد من اليهود الذين تجردوا من انتماءاتهم وكرسوا أبحاثهم للوصول إلى الحقيقة، وليس شيئًا آخر سوى الحقيقة، فجاءت أبحاثهم جادة حازت على إعجاب المحافل الفكرية والتاريخية العالمية، وتبوأت مكانة مرموقة لدى أهل الفكر، ولاقت التقدير والإعجاب على كافة المستويات باستثناء الدولة العبرية العنصرية بطبيعة الحال، وبعض الجماعات اليهودية المتعصبة والعنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول العالم الأخرى، وهنا لا بد من الاستشهاد بما ذكرته الأكاديمية "هلين صادر" أستاذة علم الأثار في الجامعة الأمريكية ببيروت تحت عنوان: (أريحا كانت مهجورة في تلك الفترة مما يختلف مع ما جاء في التوراة).

تقول الباحثة هلين صادر إن الاتجاه السائد في علم الأثار يأخذ بآراء يتناقض بعضها مع ما ورد في نصوص توراتية عن اجتياح الإسرائيليين لفلسطين، وكذلك وجودهم التاريخي في مصر، وترى الدكتورة صادر أن الحفريات الأثارية في السنوات الثلاثين المنصرمة أدت إلى التوصل إلى معلومات جديدة، سمحت بإعادة النظر فيما يسمى مجيء الإسرائيليين إلى بلاد كنعان، وتسمح هذه المعلومات كذلك بإعادة النظر في موضوع القول بوجود الإسرائيليين في مصر كشعب واحد، وإنهم تركوها "بقيادة موسى ودخلوا فلسطين بقيادة يشوع بن نون كجماعة موحدة"، وهم الذين يوصفون بأنهم كانوا (12) قبيلة أو سبطًا، وإنهم احتلوا فلسطين في حرب واحدة.

هكذا تفسر الرواية التوراتية مجيئهم وسكنهم في بلاد كنعان، ووردت في التوراة قائمة بكل المدن التي قيل إن العبرانيين احتلوها، وقد جرب العلماء سابقًا أن يجدوا إطارًا تاريخيًا لما ورد في التوراة، فنظروا في التاريخ المصري ليروا من كان الفرعون خلال فترة بناء مدينة رعمسيس، التي قالت التوراة إنهم كانوا يبنونها، وقد ورد في التوراة في الإصحاح الأول من سفر الخروج عن الإسرائيليين أن المصريين جعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن "فيثوم ورعمسيس"، ولكن المصريين انتقموا من بني إسرائيل بسبب مناصرتهم للهكسوس في احتلال مصر السفلى، فاستعبدوهم بعنف.

ربما يكون رعمسيس الثاني عاش في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولأن في التوراة ذِكرًا لمدينة اسمها مدينة "رعمسيس" التي تقول النصوص المصرية إنه بناها، فقد اتخذ هذا الأمر إطارًا تاريخيًا وضعت فيه قصة خروج الإسرائيليين من مصر، وتضيف الدكتورة صادر إن هذا الإطار الأول كان مقبولاً في الفترة الأولى، لكننا نعرف من جهة ثانية، أن خضة كبيرة أو أزمة شمولية وقعت في الشرق الأدنى – سوريا ولبنان وفلسطين – انتهت على أثرها كل حضارات الألف الثانية قبل الميلاد ومنها: الحثية والمسينية ودخل من سموا بشعب البحر إلى مصر من فلسطين ومن البحر، كما أسسوا مدنًا في جنوب الساحل الفلسطيني.

ويقال أيضًا إنه في الوقت نفسه الذي هدمت هذه الشعوب حضارة الألف الثانية قبل الميلاد على الشاطئ السوري - اللبناني – الفلسطيني، دخلت قبائل آرامية قديمة وأسست دويلات آرامية في سوريا، وقبائل إسرائيلية دخلت فلسطين وأنهت حضارة الألف الثانية الكنعانية، إذن كان هذا هو الرأي التقليدي كما تقول الدكتورة صادر، إلا أن أول اهتزاز لهذه النظرية جاء من علماء التوراة أنفسهم خاصة من مدرسة ألمانية تقول إنه يتبين لدى التعامل مع التوراة بنظرة نقدية أنه لم يحدث أي غزو يهودي لأرض فلسطين.

وللتوراة عدة قصص تفسر مجيء الإسرائيليين إلى بلاد كنعان (فلسطين) منها اثنتان متعاكستان، قصة تقول إن إبراهيم عليه السلام جاء من "أور" الكلدانية في بلاد الرافدين وسكن فلسطين، والثانية هي قصة "الخروج" وهذا يعني أن هناك عدة قصص جمعت في التوراة، فالتوراة كما نعرفها لم يكتبها رجل واحد بل هي مجموعة وحدات جاءت على فترات مختلفة وجمعت بالشكل الحالي في القرن الثامن بعد الميلاد، وتبين أن الكتب التوراتية خاصة سفر "الخروج" هي تقاليد كتبت متأخرة بعد رجوع الإسرائيليين من السبي في بابل، وكل هذه القصص كما تقول الدكتورة صادر هي أقرب إلى "أسطورة"، من حيث أنها تسعى إلى أن تفسر بعد زمن طويل ضاعت فيه الذاكرة قصة نشأة معينة أو أصل معين.

وتضيف: أما النصوص التاريخية فلا علاقة لها بالمعتقد الديني، العلماء الألمان كانوا أول من نظر في هذه المسألة بهذا الشكل إذ أنهم رأوا أن الأمر ليس أكثر من قبائل كانت تروح وتجيء متنقلة في مناطق "الأطراف" ثم استقرت، وكانت هذه أول "زعزعة" للقصة التوراتية عن تاريخ الإسرائيليين، أما الزعزعة الثانية فقد صدرت عن علماء الأثار المتخصصين في موضوع التوراة، من خلال سعيهم إلى التأكد فيما إذا كان ما ورد في التوراة قد حصل فعلاً أم أنه لم يحصل، فكانت حصيلة أبحاثهم أنه من كل المدن والبلدات التي ورد أن الإسرائيليين احتلوها رصدت في واحدة أو اثنتين بمستويات من الدمار لطبقات العصر البرونزي الحديث، والمفترض أن الإسرائيليين سكنوا في تلك المدن، لكن لم يظهر أي دمار يدل على ذلك، وأعظم مثل على هذا الأمر قصة "أريحا" واحتلالها وتدمير أسوارها بالطريقة التي تصفها التوراة مما لا ينطبق على الواقع، فأريحا كانت مهجورة في تلك الفترة، وكذلك ما عرف باسم "خربة التل"، فإنها لم تكن موجودة أساسًا كي يجري احتلالها. كما أن المكتشفات الأثرية الحديثة تؤكد أن مدينة أريحا كانت مدينة مدمرة ومهجورة قبل ما لا يقل عن ثلاثمائة سنة قبل وصول الموسويين إليها، مما ينفي نفيًا قاطعًا ما جاء في التوراة حول تدمير أريحا على أيادي بني إسرائيل ويشوع بن نون.

أما ما تسميه الباحثة الأكاديمية اللبنانية "البرهان القاطع" فقد توصل إليه العلماء الإسرائيليون بعد سنة 1967 واحتلال الضفة الغربية ووسط فلسطين، فقد أجرى هؤلاء العلماء مسحًا شاملاً لفلسطين كلها، منطقة السهول التي كان الكنعانيون فيها وكذلك منطقة الجبال الوسطى، ونتج عن ذلك اكتشاف مئات المواقع الأثارية الصغيرة، التي هي أقرب إلى مستوطنات أو مواقع ريفية ولم تكن مدنًا كبيرة.

الصفحات