أنت هنا

قراءة كتاب بنو إسرائيل عبر التاريخ

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بنو إسرائيل عبر التاريخ

بنو إسرائيل عبر التاريخ

كتاب " بنو إسرائيل عبر التاريخ " ، تأليف د.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 8

خسرنا حرب 1948 وفشلنا في وقف التوسع الصهيوني في بلادنا العربية وتغنينا بعدها بالمخلصين الجدد الذين تولوا السلطات عن طريق انقلابات عسكرية، مما أعطى الأمل لأبناء الأمة العربية بمستقبل جيد واستعدادات جيدة لما عرف في حينها بالجولة الثانية من الحرب، فتولى الحكم في سوريا ضباط من العسكريين وكذلك في العراق وفي مصر، وكان ذلك مؤشرًا جديدًا على النصر القادم مما جعل الأمة تتجاوز هزيمة عام 1948.

وتوالت الأوضاع غير المحببة بسبب الخلافات العربية التي بدأت تنخر جسم أمة العرب، خلافات كان يهيأ للإنسان العادي أنها ترمي إلى الوصول إلى التنافس في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، ولكنها كانت في الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، بل كانت صراعًا عربيًا عربيًا حول السلطة والسيطرة والزعامة، وكانت النتيجة أننا هزمنا مرة أخرى عام 1967 شر هزيمة طاب لبعض العرب أن يطلقوا عليها اسم "النكسة" وهي في حقيقتها أكبر هزيمة عرفتها الأمة العربية عبر تاريخها القديم والحديث.

وتبع تلك الهزيمة النكراء مبررات للتنصل من المسؤولية مما يسمى دول الطوق، أي الدول المحيطة بإسرائيل، غير أن الهزيمة وما بعدها من آثار سلبية بقيت تنخر عقول الأمة العربية، إضافة إلى التيه الفكري الذي أحدثته الهزيمة بين أبناء الشعوب العربية، فلم يعد الإنسان قادرًا على التفكير، أو حتى لم يعد قادرًا على متابعة الأحداث والمتغيرات، وانشغل بالمهاترات التي سادت الأوضاع بين الدول العربية كنتيجة طبيعية للسياسات غير المدروسة والدكتاتورية اللعينة، فقبل عام 1967 كان العرب يشترون السلاح من روسيا، وأخذوا يهددون إسرائيل بالدمار والإبادة الجماعية لليهود على أرض فلسطين، استغل اليهود بخبثهم ومكرهم وأساليبهم هذه الأمور بالإيعاز إلى الصحافة المأجورة، سواء في العالم العربي أو في العالم الغربي، لتثير في أقوالها وافتتاحياتها قلق العالم من تنامي القوات العربية المحيطة بإسرائيل، وحصولهم على أحدث أنواع الأسلحة، بالتركيز على مصر العربية، لاستدرار عطف العالم على بني إسرائيل الذين يتباكون دائمًا بأنهم الضحية، وأن حوالي 300 مليون عربي يحيطون بهم من كل جانب وكلهم يضمرون العداء لإسرائيل المسكينة، وثانيًا ليحصلوا على الدعم العسكري والمالي والاقتصادي اللامحدود من دول العالم الغربي دون أن يتكلفوا دولارًا واحدًا، وهنا نستطيع القول بإننا نحن العرب كنا السبب الأول في تسليح إسرائيل بكل أنواع الأسلحة المتطورة، بما فيها الطاقة النووية، بسبب خطاباتنا العشوائية وعدم تقدير الأوضاع، وتكالب العالم علينا من أجل حماية بني إسرائيل في فلسطين، وتعهدت الدول العظمى بضمان أمن إسرائيل ووجودها، بل ودعمها وتقويتها بدعوى الحفاظ على أسطورة التوازن العسكري في المنطقة.

بعد البحث والتقصي بأسباب الهزائم العربية والتعتيم الإعلامي العربي المفروض على تلك الهزائم، رأيت أن من حق الأجيال القادمة علينا نحن أهل الفكر من الذين عاصروا الهزائم منذ عام 1948 إلى يومنا هذا، من حقهم علينا أن يعرفوا الحقائق المغيبة عن واقع أمتنا العظيمة، ويعرفوا إلى أي مدى وصل تخاذلنا في التعامل مع الغزاة لأرضنا وأوطاننا، وإلى أي مدى تمكنت أنظمتنا العربية من إخفاء الحقيقة عن الشعوب، وبعضها اعتبر الهزائم النكراء نوعًا من النصر العربي، فإذا استمر الحال على ما هو عليه سوف نرى الأجيال القادمة تأخذ بهذه الأكاذيب والافتراءات وتؤمن بها، إن لم تجد الأمة من يصارحها بحقيقة الأمر وحقيقة المأساة التي حوَّلت شعوب منطقتنا إلى أموات يتحركون على الأرض لكن بدون روح وبدون كرامة إنسانية، حيث أخذ العالم يعتبرنا نوعًا من الحيوانات، وهذا يجعلني استحضر إلى الذاكرة قول شاعرنا الكبير نزار قباني في هزيمة عام 1967:

إذا خسرنا الحرب.. لا غرابة

لأننا ندخلها..

بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة

لأننا ندخلها..

بمنطق الطبلة والربابة

لأجيالنا القادمة علينا حق بأن نطلعهم على حقيقة أمرنا، دون أن نخجل من واقعنا الذي ليس من صنعنا نحن الشعوب المغلوب على أمرها، بل من صنع أحداث لم نرقَ إلى مستوى معالجتها بالطرق السليمة، حيث بقينا نعتمد على منطق الطبلة والربابة في تعاملنا مع الأعداء.

قد يرى البعض أن هذا الكتاب غير مألوف في بحثه حول بني إسرائيل ومسيرتهم عبر التاريخ قديمًا وحديثًا، حيث لم يسبق أن قام مؤرخ أو مفكر عربي بطرق هذا الموضوع بصورة جادة وموسعة، فإن معظم ما تعج به المكتبات العربية من كتب وأبحاث في هذه المسألة جاء بالتقليدية الكتابية من حيث المضامين والأساليب واللغة، لا اختلاف في المضامين بين كتاب وآخر سوى اختلاف أسلوب الكاتب في فن الصياغة اللغوية واهتمامه ببلاغة النصوص، مما أدى بالتالي إلى توجيه الأجيال العربية المتعاقبة إلى نوع من "عبدة النصوص"، فكانت كارثة فكرية لا حدود لها داهمت حياة هذه الأمة العريقة.

على العموم، هذه محاولة أحسبها جادة وجريئة، وهي دعوة مشجعة للمفكرين العرب للقيام بدورهم المهم واللازم في كشف الحقائق المتعلقة ببلادهم وأوطانهم وشعوبهم على مرّ العصور، وإني أرجو الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في هذا البحث، وفي الوصول إلى جزء من الحقيقة، إن لم تكن الحقيقة بعينها، حيث أن هذا البحث تطلب الكثير من الاستقصاء والسفر والمتابعة والجهد والوقت، فكان ثمرة أبحاث دامت قرابة حولين ويزيد.

الدكتور شفيق الخليل

الصفحات