أنت هنا

قراءة كتاب بنو إسرائيل عبر التاريخ

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بنو إسرائيل عبر التاريخ

بنو إسرائيل عبر التاريخ

كتاب " بنو إسرائيل عبر التاريخ " ، تأليف د.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
الصفحة رقم: 7

حاول العرب أن يقاوموا المد الصهيوني الذي اجتاح بلادهم بغزو خفي الأول من نوعه خلال الألفيتين السابقتين، غير أن التصدي العربي لهذا الغزو أخذ منحى التقليدية دون أن يدركوا أن الغزاة الجدد يختلفون اختلافًا كليًا عن أي غزاة آخرين، الأمر الذي أدى إلى الفشل الكامل في وقف الزحف الصهيوني، علاوة على أن العرب لم يتمكنوا من فهم العقلية الصهيونية اليهودية فهمًا دقيقًا، ولم يكلفوا أنفسهم عناء ومشقة البحث والتدقيق والتمحيص للوصول إلى المعرفة الحقيقية للفكر اليهودي الغازي لبلادهم والسبب الرئيسي لذلك الإهمال العربي يرجع إلى عوامل عديدة، أهمها طمس دور الحضارة والثقافة العامة العربية التي سبقت ظهور الإسلام، إذ اعتبر العرب تلك العهود "عصور جاهلية"، وصنفوها بالجاهليات الأولى والثانية.. الخ، مما يتهيأ للباحثين والعلماء أن العرب كانوا يعيشون طوال حياتهم متنقلين بين جاهلية وأخرى، برغم أن الجذور العربية في منطقة الشرق الأدنى عميقة جدًا، وموغلة في القدم، وقد نمت من تلك الجذور أعظم الحضارات الإنسانية بكل فروعها، مثل حضارة الكنعانيين العرب والسومريين والبابليين والآشوريين والعموريين والفينيقيين والحثيين والكلدانيين والآراميين، وأقدمها أيضًا حضارة العرب الفراعنة في وادي النيل التي لا زال العالم بأسره يقابلها بالإجلال والتكريم، ولكن ما يؤسف له حقًا، أن عرب هذا الزمان لم يدركوا حتى اللحظة أن الفراعنة كانوا من أصلاب العرب واقحاحهم، الذين عبروا في هجرات متلاحقة من مناطق جنوب جزيرة العرب إلى وادي النيل، سعيًا وراء الخصب والمرعى، واستقروا هناك ثم أقاموا أكبر حضارة عرفتها البشرية وأسسوا نظام دولة كان الأول من نوعه في العالم القديم. ومن المؤسف أيضًا أننا نعتبر الفراعنة أقوامًا غربية غريبة عنا لا تعرف أصولها، وأنهم كانوا غزاة من الأجانب جاءوا إلى وادي النيل من جهات مجهولة، لدرجة أن البعض ممن يرفضون العروبة يقولون بجهالة "نحن لسنا عربًا بل فراعنة"، وسوف نعود للحديث عن هذه المسألة والتأكيد على هوية الفراعنة العربية في فصل لاحق من هذا الكتاب.

أما السبب الآخر والمهم فإنه يرجع إلى الاعتماد على مراجع التاريخ التوراتي الذي يفتقر إلى التسلسل الزمني، وعلى التاريخ الذي وضعه المستشرقون الأجانب استنادًا إلى التوراة اليهودية، وبالتحديد الإصحاحين التاسع والعاشر من سفر التكوين، وإهمال المكتشفات الأثارية الواسعة التي تحققت خلال القرن العشرين، والتي تحكي حقائق التاريخ القديم خلافًا للتاريخ الأسطوري القائم على الروايات والقصص المتناقلة من جيل إلى جيل، ذلك التاريخ الذي اخضع عن قصد وتعمد إلى "الميثولوجية" الواسعة التي أعطت فرصة لتزييف الحقائق التاريخية، خصوصًا فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأدنى التي كانت ولا زالت عيون العالم تتطلع إلى خيراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية الهائلة.

لا أحد ينكر بأن ما تعرضت له منطقة الشرق الأدنى على مدار الألفي عام الماضية خصوصًا خلال الألفية الثانية بعد الميلاد قد أخَّر إلى حد كبير انطلاقة شعوبها، وفرض نوعًا من التخلف الفكري ثم ساهم في وجود الإهمال العربي في معرفة حقيقة الدور العربي ومعرفة الفكر المعادي الذي اجتاح المنطقة، لهذا فقد نجد بعض الأعذار لمفكرينا في مثل هذا الإهمال، غير أننا نأخذ عليهم مأخذًا بركونهم إلى واقع جميعهم يعرفون أنه بالإضافة إلى كونه مريرًا، فإنه أيضًا يتنافى مع الحقائق الفعلية لدور شعوب المنطقة العربية.

خلال الألفية الثانية الميلادية كان تعداد سكان العالم لا يزيد على مئات الملايين من البشر، وقد ارتفع في نهاية الألفية إلى حوالي ستة مليارات، وكان متوسط العمر 30 عامًا، ليصل في نهاية الألفية إلى 60 عامًا ويزيد، كانت أوروبا في بداية الألفية الثانية مجموعة من الممالك التي برزت عشوائيًا في عصور الظلام بينما كانت الدولة العربية الإسلامية في منتصف الألفية الثانية تقريبًا تمتد من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا مرورًا بالقارة الهندية وأسبانيا وجنوب إيطاليا وفرنسا ونمت معها الحياة الفكرية الرائدة على نطاق واسع للغاية لم يسبق لها مثيل في تلك العصور.

مكتبة غرناطة في الأندلس العربية وفي ذلك الوقت الذي كان الظلام فيه يخيم على أوروبا، احتوت على أربعمائة ألف مجلد ضخم تبحث في كافة العلوم والثقافات والحضارات الإنسانية، وتوغل العلماء العرب والمسلمون في أرضيات الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، لا أريد الإسهاب في تعداد الأدوار العربية والإسلامية في الحضارة الإنسانية، وفي استعدادات العالم في الألفية الجديدة والاهتمام بها، وأفضل أن أذكر بأن علينا نحن أمة العرب دورًا كبيرًا في هذه الألفية بما يليق بماضينا المشرف وبما يخدم مصالح شعوبنا العربية، وبما يحقق لأمتنا اللحاق بركب الحضارة الإنسانية والإسهام من جديد في كافة الميادين الثقافية والعلمية، بما يليق بهذه الأمة الرائدة ومكانتها بين الأمم.

وهنا أود أن أذكِّر بأن مجلة "لايف الأمريكية" أصدرت عددًا خاصًا في نهاية الألفية الماضية، احتوى على أسماء مائة شخصية عالمية أبدعت بعلومها واكتشافاتها وثقافاتها، وأعطت البشرية زخمًا جديدًا من التقدم الحضاري والعلمي، وكان من بين المائة شخصية عشرة علماء من أصول عربية أي 10% من علماء العالم كانوا من العرب كرَّمتهم المجلة بنشر نبذة تاريخية عنهم، ألا يحق لنا أن نفخر بهذه الحقيقة؟.

العرب حاولوا مقاومة المد الصهيوني المتغلغل في منطقة الشرق الأدنى، ونشبت عدة حروب بين العرب واليهود خلال الستين عامًا الماضية، انتهت جميعها بفشل العرب في وضع حد للتوسع الإسرائيلي، فبعد الهزيمة العربية الأولى عام 1948 والتي نتجت عن دخول الجيوش العربية إلى الحرب على أساس تقديرات خاطئة، إذ كانت الأنظمة العربية في ذلك الحين تعتقد أن اليهود ما هم إلا عصابة من المتشردين، ولا يحتاج القضاء عليهم أكثر من أيام معدودات، ولما بدأت القوات العربية في الحرب ضد اليهود في فلسطين يوم الخامس عشر من أيار عام 1948 تبين أن تقديراتهم كانت لا تقوم على أساس، ولا حتى على الحد الأدنى من المعرفة بعدوهم، فأولاً كانوا يجهلون لغته ومعتقداته وخبثه ومؤامراته، واعتماده على الجواسيس والمخبرين، واختراق هيئة الاستخبارات اليهودية لمعظم الأنظمة العربية، إضافة إلى من تم استخدامهم كمخبرين من العرب، مما سهل صد الهجمات العربية ومواجهة جيوش جاهلة لا تتمتع بثقافة ولا بمعرفة حقيقية بشؤون الحروب، تنقصها الخبرات القتالية، باستثناء ما يحمله ضباط تلك الجيوش على صدورهم من أوسمة ونياشين، يتهيأ للمشاهد أن صاحب هذه الأوسمة هو مونتغمري أو رومل ثعلب الصحراء، برغم أن البعض منهم كان لا يجيد استعمال المسدس العادي، ولا يحق لنا أن نوجه إهانة لهم، بل علينا أن نعترف أنهم كانوا بارعين في قمع الشعوب وقهرها.

الصفحات