كتاب " بنو إسرائيل عبر التاريخ " ، تأليف د.
أنت هنا
قراءة كتاب بنو إسرائيل عبر التاريخ
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
ونتيجة الحفريات التي أجروها في هذه المستوطنات اتضح أن كل طرق الحياة لم تتغير عما كانت عليه قبلاً، وأن الناس كانوا هم الناس أنفسهم دون أن يجري أي انقطاع حضاري، بل جاءت الأمور تكملة لما كانت عليه في السابق الحياة المدنية توقفت لمدة قرنين وازدهرت بدلاً منها المستوطنات الريفية، إلا أن أهل المستوطنات كانوا يعرفون الزراعة، أي أن أغلبهم لم يكونوا بدوًا بل من سكان تلك الأرض، وقيل إن المستوطنات جمعت شرائح اجتماعية متعددة، قسمًا من البدو أو شبه البدو وقسمًا من الحضر، سكنت فيها وتعايشت في فترة من انعدام الاستقرار.
والاستنتاج الذي خرج به هؤلاء العلماء هنا؛ هو أن هذا الشعب نفسه أكمل حياته ولم يدخل عليه أناس من الخارج حاملين معهم حضارة جديدة، بعد ذلك عاد الاستقرار إلى هذه المستوطنات، وتدريجيًا أخذت تنشأ مدن بدلاً منها واحدة تلو أخرى.
وتتحدث التوراة عن وجود الإسرائيليين في مصر لعدة أجيال، أما تاريخيًا فليس هناك نص مصري يذكر وجود الإسرائيليين، هناك نص واحد هو نصب ملكي للفرعون "ميرنبتاح" الذي عاش في القرن 12 – 13 قبل الميلاد، وقد جاء فيه أنه تغلب على "إسرائيل" لكن كلمة إسرائيل هنا تتضارب فيها التفسيرات، فالبعض يعتبرها إشارة إلى شعب إسرائيل، والبعض الآخر يعتبرها اسمًا لمنطقة في شمال سيناء أو ما يعرف اليوم بمنطقة النقب في جنوب فلسطين، ومع أن العلاقات بين فلسطين ومصر قامت منذ آلاف السنين فليس هناك ما يدل على وجود الإسرائيليين في مصر، والسبب في هذا قد يرجع إلى أن الإسرائيليين دخلوا مصر مع الهكسوس، وكانوا قد تذوبوا في البيئة الهكسوسية واعتبروا من الهكسوس الذين غزو مصر السفلى وحكموها لمدة 150 عامًا، وهم يرجعون في أصولهم إلى بلدان في آسيا الصغرى.
العلماء الإسرائيليون على أساس أبحاثهم الأثارية ونتائجها توصلوا إلى نتيجة، هي أنه لم يكن هناك غزو لفلسطين كما جاء في التوراة وليس هناك من دلائل سوى تلك التي تشير إلى استمرارية الحضارة في فلسطين لكن في أوضاع اقتصادية واجتماعية مختلفة، وبعد هذه الفترة الانتقالية نشأت مملكتان - هما يهودا والسامرة - لا شك في تاريخيهما، إذ ذكرتا في نصوص غير توراتية، منها نصوص أشورية وبابلية وغيرها، وأهلهما ساميون عبدوا آلهة متعددة، أما التوحيد فقد توصلوا إليه في فترة متأخرة.
ويستمد من نصوص مختلفة أن فكرة آلة خاص بالجماعة انتشرت في الجنوب في مملكة يهودا، فتكونت ديانة التوحيد في القرن السادس قبل الميلاد، وتأصلت بعد السبي إلى بابل، حيث صار العائدون يكتبون قصص التوراة، والآن هناك فريقان من العلماء، فريق يأخذ بهذه النظرية، وفريق آخر يرفضها ويقاومها، ويبقى متمسكًا بالنظرة التقليدية في هذا المجال.
اجمع علماء التاريخ والأركيولوجيا بأن كتابة التاريخ تأتي على نوعين.. الأول أسطوري يقوم على الروايات المتوارثة والمتناقلة من جيل إلى آخر، ومعظمها روايات مجازية تختلف في نصوصها بين جيل وجيل وبين مكان وآخر أيضًا، كما أن الروايات بحد ذاتها تخضع غالبًا للمبالغة أحيانًا نظرًا لتعدد الرواة واختلاف أساليبهم، فلكل راوي أسلوبه في التعبير والوصف، فإما أن يزيد على الرواية التي سمعها أو ينقص منها، وهكذا مع مرور الزمن وباختلاف الرواة تصبح هذه الرواية أو تلك أسطورية مشوهة إلى حد كبير، وبعيدة كل البعد عن الواقع، ولهذا أطلق الباحثون والعلماء على هذا التاريخ اسم (التاريخ الأسطوري). أما النوع الثاني فهو التاريخ المدون، وهو الذي يقوم على المكتشفات الأثارية الحديثة والكتابات القديمة والنقوش التي وجدت على تلك المكتشفات، خصوصًا ما تم اكتشافه خلال القرن العشرين بما توفر للإنسان من وسائل تقنية ساعدته على قراءة الكثير من الكتابات القديمة التي كانت غامضة سابقًا وفي مقدمة تلك الوسائل الحاسوب الإلكتروني (الكمبيوتر).
كان لابد لنا نحن العرب أن نبحث في ذلك التاريخ الطويل باعتباره سجلاً حافلاً بحياتنا في المشرق العربي، وبعد أن تأكد لنا أن التاريخ التوراتي هو تاريخ لا يفي بالحاجات المطلوب معرفتها، وقد تكونت لدينا القناعة بأن أحبار اليهود حين دونوا التاريخ التوراتي كانوا تحت تأثير الأحلام السياسية بالعيش في منطقة الشرق الأدنى الغنية، وتخطيطهم المتعلق بغزوهم لأرض كنعان (فلسطين)، واحتلالها لتكون نقطة انطلاق لبلدان المنطقة التي يرمون إلى إخضاعها واقتناص ثرواتها وخيراتها، وقد تم ذلك تحت عباءة وعد سماوي لهم بتلك الأرض، وكأن السماء التي وعدتهم بها كانت وكالة عقارات مرخصة، أو شركة متخصصة في إصدار سندات الملكية برئاسة نبي الله إسحق عليه السلام - وإسحق من هذا بريء - وأن الإله يهوه هو مالك تلك الأرض، يهبها على هواه لمن يشاء دون أدنى اعتبار لمصير أصحابها الحقيقيين وسكانها الأصليين! فإن صدقت روايتهم – ولن تصدق – فإن ذلك يدعونا إلى الاعتقاد بأن يهوه هذا إله غير عادل على الأقل، أو أنه بدعة من وحي خيالاتهم وليس له وجود بالأساس، وما أكثر بدع هذه الطائفة! وما أكثر افتراءاتهم التي جاءت في التوراة وكتبهم الدينية، خصوصًا ما جاء في التلمود من قصص مجازية غير حقيقية.
لقد تحقق لهم هذا الهدف بعد أكثر من ألفيتين ونصف الألفية وبعد أن عملوا جديًا لاحتلال فلسطين كنقطة انطلاق إلى كافة بلدان الشرق الأدنى، وقد عملوا هذه المرة بأسلوب مختلف عن الأساليب السابقة، فكانت خططهم الجديدة تتركز حول امتلاكهم لكل وسائل القوة وعلى رأسها قوة (الذهب والمال)، فجمعوه من كل أرجاء الأرض ووضعوه في خزائنهم وسخروه كقوة كبرى، باعتباره القوة الأكبر في السيطرة على الأمم الأخرى واستغلالها لخدمة أغراضهم، كما نشاهده في هذا الزمان من الهيمنة الخفية على أكبر دولة في العالم الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى معظم الدول الكبرى الأخرى ونرى كيف تمكنوا من جر الأمريكيين وغيرهم لخوض حروب بالنيابة عن إسرائيل كلما دعت الحاجة، كما هو الحال في أفغانستان وفي غزو العراق العسكري الثلاثيني واحتلاله، وعن طريق الذهب وضعوا النظام المالي العالمي ونظام صندوق النقد الدولي، وفرضوا هيمنتهم الخفية على معظم شعوب الأرض ودول العالم، وسخَّروا هذه الهيمنة لخدمة هدفهم الأول وهو إقامة دولة لليهود في منطقة الشرق الأوسط، لتكون اللبنة الأولى في إحكام السيطرة على بلدان وشعوب المنطقة العربية، والأسباب معروفة لا تحتاج إلى تفصيلات وشروحات، فإن ما يتوفر في المنطقة العربية من خيرات طبيعية تحكي عن نفسها بنفسها وتجعلها عرضة لأطماع الطامعين، كما أن من يسيطر على الشرق الأوسط يضمن هيمنته وسيطرته الكاملة على دول العالم وبإمكان الحركة الصهيونية بعد تثبيت تلك السيطرة الإعلان عن هدفها الأكبر وهو بعث دولة العالم الواحدة يرأسها ملك من نسل داود.


