كتاب " أصل وفصل " ، للمؤلفة سحر خليفة ، والذي صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
أنت هنا
قراءة كتاب أصل وفصل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
فصـل
بعد اندحار الأستانة ومجيء اليهود، اهتز اقتصاد عيلة ستِّي، إذ بات القنباز موضة قديمة. فما عادت ترفو أو ترقع فاختل الدخل. ابنها وحيد ظل يكافح حتى لا ينهار ويهزمه اليهود. لكن اليهود طبعا أشطر، إذ جاءوا بأموال ومعارف ولغات أوروبية – أميركية، ومهندسين من كل لون وجنسية فحدَّدوا شكل الشارع ولغة الكوشان. وكان بلفور ينفِّذ وعده والجنرال اللنبي يحابي اليهود وذاك المندوب، غير السامي، جاء ليتأكد من الموضوع. وبالفعل تأكد من أننا بالكاد نفكّ الخط وأن العرب صاروا قاب قوسين أو أدنى من السقوط، وأن العروش باتت تحكم والشعب ينخ. وهكذا صرنا بلا ظهر يحمينا وما من غطاء لهامتنا إلا الطربوش ولباس الست. ولحسن الحظ، بسبب التغيير، بات الطربوش، وكذا الغطوة، أهم مصدرين لتحسين الرزق. فركبت ستي تلك الموجة وبدأت تخيط ما يسترهم، أقصد بالذات لباس الست.
في ذاك الزمن، زمن التغيير، عاد أخو ستِّي من مكة. بعد وفاة زوجته السعودية، عاد محملا بما تركته زوجته من ذهب وجواهر ومنقولات، واشترى سرب مراكب بخارية تنقل الحمضيات إلى أوروبا وتعود محملة بالبضائع وما لذ وطاب من مأكولات. كان قد بات ثريا فاشترى بيّارة حمضيات، وبنى بيتا جميلا في الكرمل، وجعل من أسطوله أسطورة، فبات اسمه على كل لسان.
رغم غناه، لم يتقدم أحد لخطبة بناته أو يجرؤ أحد على مصاهرة ابنه. كان ابنه قد ورث شكل أمه وذكاء أبيه، فخرج إلى الدنيا مزودا بأغرب ميراث وأقبح خلقة. كان بطرا مترفا، بجبين ضيق وأنف شاهق. يسهر للصبح وينام للظهر ويضاجع الجنكيات واليهوديات وينثر النقوط على رؤوس الراقصات، ويشعل السجائر بورقة العشرة جنيهات. كانت سمعته لا تحمد، لكن أباه لم ير فيه إلا غزالا شاردا قلَّ نظيره. كان إذا قيل له: ابنك فالت، يكون ردّه بثقة واعتزاز: خليه يشبع.
لكن الولد لا يشبع، ولهذا لم يفلح مع ذوات العفاف. إذ بعد أن خطب ابنة عائلة عريقة ضبطه أبوها في ماخور ينثر النقوط على أقدام الراقصات، ويشعل سيجارة لغانية بورقة العشرة جنيهات، ففسخ الخطوبة وكتْبِ الكتاب. منذ ذاك الحين سدت في وجهه أبواب العائلات وحجبت عن عينه كل المصونات، فعاد إلى المواخير ينهل ويعبّ ويتدحرج حتى التقطته غانية يهودية لجمت جماحه وجعلته ينخ. علم أبوه بالأمر فبدأ يقلق ويلتمس النصح من الأقارب والأصدقاء، فقيل له: الحق بابنك وزوِّجه قبل أن يجعلك نسيبا للنور والسكناج. وحين فشل في إيجاد واحدة محترمة ترضى بابنه، تذكَّر ابنة أخته فجاء متوددا يطلب الرضا والقرب، بعد أن كان مترفعا مبتعدا متمنعا بدون عواطف.
استقبلته أخته بالحفاوة والحماس المضاعف. فها هو يطلب ابنتها المتواضعة لابنه الغني الثري ابن العزّ والمستقبل البهي. وقد كانت تتخوف أن يطالبها بميراث عمهما فلم يفعل. أشار إلى الموضوع بطرف خفي، وقال بمواربة وبما معناه: أن ذاك الميراث لا يذكر قياسا بما سيكون لدى ابنه وبناته بعد عمر طويل. وكان لذاك التلميح أثرة البليغ إذ انّه يشير إلى ما لدى بناته البائرات من مواهب وإمكانيات فانتبهت. صحيح أنهن غبيات شبه معاقات ويلثغن بالسين وينثرن الكلام بشكل مضحك، إلا أنّهن مدججات بالذهب والألماس واكتناز العجول. فإذا أخذت واحدة منهن لابنها وحيد فستكون قد اصطادت عصفورين بحجر واحد. تكون قد ضمنت لابنتها عشا راسخا بزواج البدل، وضمنت لابنها أدسم ميراث وأرقى زيجة.
حين زفت الخبر إلى الأولاد انبرى الأوسط رافضا. قال إن أخته ليست سلعة وان الاقتراب من ذاك الخال ليس مزية، فخاله معروف بالجشع وافتقار الذكاء، وابنه معروف بالاستهتار وسوء الخلق، أما بناته فغبيات بطِرات ويخربشن الكلام وينطقن السين ثاء، هذا ما قاله أمين، فبدأ الصغير يقلدهن ويجعل منهن أضحوكة. نهرتهما الأمّ وحذرتهما من التفوه بمثل ذاك الكلام أمام وحيد، فوحيد هو المسؤول عن العيلة وأمور الزواج. أليس هو المسؤول عن شؤون الدار ورزق الأيتام؟ لوى أمين شفتيه وغادر الدار وهو يتمتم، وعاد الصغير لدروسه، وعادت هي للاستماع لأخيها وما يسرده على سمعها من معجزات وأعاجيب قام بها مذ فارق نابلس أم الهم - كما كان يسميها - وجال في بقاع الأرض وتبرَّك من بئر زمزم.
قال بإيجاز:
- رحمة الله عليها. تركت من المال ما لا تقدر على أ كله النيران. كانت محترمة ووقورة. كانت تصلي وتصوم ولا تقطع فرضا. الحمد لله، فقد ورث أبناؤها ورعها وتقواها وكل ما تركته من أملاك. سبحان الله! من كان يظن أو يتوقع أني سأعود من الغربة بكل هذا العزّ والثروة؟ وقد كنا نظن هنا في نابلس أن عمنا كان أغنى من كل الناس! عمك يا زكية يا أختي، إذا ما قيس بأموال شيوخ السعودية وذهب البترول فلم يكن أكثر من شحاذ. عمي وعمك، ذاك النصاب، أنسيت ما فعل بميراثك ورزق الأيتام؟
هزّت رأسها، وقالت بأسى:
- لا تجوز على الميت إلا الرحمة.
- إلا الرحمة! وهل رحمك ورحم الأيتام؟
رمقته بنظرة مستغربة من ثلامته وقلة حساسيته، فهو لم يسأل عنها وعن أولادها طوال سنوات. وها هو الآن يذكرها ويذكِّرها. الآن احلوّت في عينه! لماذا؟ ما السبب؟ بسبب ابنتها؟ أو ربما بسبب بناته؟
قال بحماس:
- ابنك وحيد ما شاء الله، جدع ومسؤول ولا ينقصه شيء. لو يطلب أحسن واحدة في الدنيا تقبل على طول، بدون تردد.
هزّت رأسها، وقالت بأسى:
- هو من أسندني وواساني بعد المرحوم. نزل للشغل وهو ابن 13. حمل أكياس على ظهره مثل العتال، ودوّر بابور عمي وعمك مثل الرجال، وبعدها ساق السيارة.
صاح مستغربا:
- أيةِ سيارة؟ يعني سوّاق؟ بكرة أخليه أحسن قبطان. ويمكن إذا الله وفقنا نشتري بواخر. ابني وابنك يا أم وحيد، شباب زي الورد. جمال ومال وصحة وعافية وذراع من حديد. إيه! نعم، ابني دلُّوع وناقص شد، لكن لما يشتغل مع ابنك يتعلم منه أصول الشغل ويصير قبضاي. أنا متأكد. أولادنا يا أختي حيلتنا وزينة الدنيا. إذا أنت وأنا وجَّهناهم ولمينا الشمل ممكن نصير أحسن عيلة ويرتاح البال، صحيح والا لأ؟
هزّت رأسها باقتناع شديد:
- آ والله صحيح.
- طيب إذن نقرا الفاتحة.
ثم حدجها بنظرة فاحصة مشحونة، وتابع قوله: أو الفاتحتين؟
فهمت قصده لكنها ظلت صامتة تفكِّر بقلق وشرود. أعاد السؤال:
- نقرأ فاتحة ابنك وبنتك؟
- طيب يا أخي لما أشاور.
- أنت المسئولة وست الدار!
قالت مفسرة معتذرة:
- صحيح يا أخي، لكن وحيد بدل المرحوم وكبير الدار. وحيد يا رشيد، الله يخليك ويديم عزك كبير ومسؤول، ضروري يوافق.
ورمته بنظرة مطمئنة مشجعه:
- طبعا المسألة شكلية، لأنّه يوافقني على أي شيء. لكن ضروري آخذ رأيه. صح، والا لأ؟
هزّ رأسه بتفاؤل:
- طبعا، طبعا، هذا الولد ما شاء الله! شاطر وموزون وكلّه رجولة. أنا متأكد يا أم وحيد، لما يعرف كل التفاصيل لازم يوافق ونقرا الفاتحة، وبإذن الله الفاتحتَيْن.
لم تعلق وظلَّت صامتة تفكر بِأمل مشوب بالخوف. فالعرض هام ومغرٍّ جدا. صحيح أن ابن أخيها سخيف ودلوع وقبيح الشكل، إلا أنّه غني جدا وسيحيل ابنتها إلى ملكة تغطس بالعزّ. وتلميح أخيها إلى ابنته والفاتحتَيْن يعني اشتراط زواج البدل. فهل يرضى وحيد؟
**********
وافق وحيد بفضل تشجيع أمه وحماستها. قالت له:
- رشا يا وحيد، بيضا وشقرا مثل أبوها. تلثغ بالسين لثغة خفيفة يمكن من الدلع وزيادة العزّ. لكن لما تصير عندك في البيت ممكن تربيها على كيفك. وأخوها رشاد صغير ودلوع وبكره يكبر ويصير مسئول. أنت لما تشتغل مع خالك ممكن تعلِّمه على كيفك. يعني الاثنين خام بلا خبرة، ممكن تربيهم على إيدك.
هزّ وحيد رأسه وقال، بأمل:
- على بركة الله. خالي وأولاده على راسي، خير وبركة.
بالنسبة له، كل الناس خير وبركة ونواياهم طيبة مثل نيته. كان خجولا طيبا وبقلب أبيض لا يعرف اللف ولا الدوران. كان لا يرى سوى الجانب الطيب من الأشياء. وبما انّه لم يتعلم فقد ظل عقله محدودا وبنظرة سطحية وبسيطة. ربما لهذا السبب أحبه كل من تعامل معه أو اقترب منه. كان صادقا مستقيما قليل الكلام كثير العمل. كان يعتمد على نفسه ويثق بأمه، فقد علَّمته الدنيا منذ الصغر أنّه قادر على القيام بأي عمل مهما كان، فنشأ عصاميا كادحا لا يعرف التعب ولا يكل من حمل الأثقال. كانت أمه هي مدرسته، وكان يراها تعمل وتكدّ بالخياطة حتى مننصف الليل، فتعلَّم منها أن يضع قلبه وعقله في عمله ولا يلتفت إلى ما يدور حوله من مناورات ومناوشات تنتجها العلاقات بين الناس. وما زاد في عزلته ومحدوديته هو أن ما قام به من أعمال لا يتطلب الاحتكاك المتواصل بالزبائن والناس. فهو مع البابور ومندمج فيه، سواء في المطحنة أو في كراج السيارات. كان العمل هو موهبته وفيه تجلَّى وأبدع ونجح. ولهذا حين فاتحته أمه بمخطط خاله لم ير من المشروع إلا الجانب العملي منه. فالزواج بالنسبة له أمر طبيعي لا بد منه، وابنة خاله أحق من الغريبات. وإذا كانت تلثغ بالسين فلا ضير عليها، فلتلثغ بالسين كما شاءت طالما أنّها ستحمل منه، وتلد وتنجب أطفالا أصحَّاء يرثون عنها الصحة والجمال والأصل الطيب.
قال له أخوه أمين ناصحاً:
- وإذا ورثوا الغباء والتياسة؟
نهرته أمه، وقالت:
- عيب يا ولد تقول مثل هذا الكلام عن بنت خالك.
- بنت خالي صحيح، لكن غبية ودلوعة وتلثغ بالسين.
- ومين قال ناخذها لتتوظف؟ البنت حلوة وصحتها عال، بكرة تجيب له دستة أولاد.
- أولاد بعقل مثل المحروس؟
- ماله المحروس؟ بكره يكبر. اشكر ربك. هذي نعمة. نعمة من السما نزلت علينا لتعوضنا عن الشقا وأيام الفقر. الدنيا بكرة تتغير ويصير أخوك زي البكوات.
- طيب وأختي؟
- مالها أختك؟
- نعطيها لواحد ما يسوى..؟!
حدجته بنظرة هازئة، وقالت: رشاد، ابن أخي، صحيح أن الولد "داير وداشر" كما قال الناس، لكن الولد ما زال صغيرا وسيكبر. هذا الولد سيكبر حتما كما قال أبوه. قال الزواج سيكبِّره والشغل مع وحيد سيجعله يسير مثل الساعة.
سألها بغضب واستفزاز:
- وهل استشرت وداد؟
بهتت الأمّ وانتبه وحيد فردت بوجوم:
- البنت صغيرة ولا تعرف مصلحتها.
ابتسم بسخرية، فصاحت بغضب:
- أنا أدرى منك بمصلحتها. روح لدروسك.
فخرج من الغرفة وخبط الباب.
*********
لم يستشرها أحد. كل ما قيل لها أثناء العشاء إن خالها الغني قد طلبها لابنه رشاد، وأن وحيداً سيكون معها ويتزوج من ابنة خاله. وانتقلت الأمّ مباشرة لتعدد مآثر ذاك الخال وكرم نفسه، لدرجة أنّه لم يسأل عن تركة عمها وعن حصته في إرث الدار.
غمغم أمين وهو يأكل: عنده بدل الدار عشرين! فقاطعته الأمّ قائلة أن لدى الخال دور ومخازن وبيّارات. ولديه قصر في الكرمل وخدم وحشم وسيارات. ولكزت ابنتها، وقالت بحماس: بكرة تصيري زي الملكة وتغرقي بالعزّ.
ابتسمت البنت وطأطأت رأسها وهي تأكل ولم تعلق، بل فتحت أذنيها لتسمع المزيد عما سيكون، إلا أن الحديث توقف عند ذاك الحد، وكأن المسألة منتهية. فقامت عن الأرض وحملت ما فرغ من الصحون وخرجت على رؤوس أصابعها حتى لا تخدش جو الصمت.
مرت أمام مرآة الممر، فلمحت شبحها الشاحب على ضوء قنديل البيرو، فتوقفت لحظة ثم أسرعت كي لا يراها أحد، إذ أن النظر في المرآة قد يفسر بعدة أشياء. فماذا يقولون لو رأوها تفعل ذلك؟ ماذا يقولون؟
كان قول الناس هو المحور. الناس هم، أي إخوتها وأمّها والحارة والجيران. الناس هم، هم يقولون وهي تسمع. هم يطلبون وهي تلبي. هم يأمرون وهي تنفذ. يقول وحيد وهو ينظر بعيدا بلا تحديد: يرضى عليك شربة ميه. فتقوم لتحضر كوب الماء. ويقول أمين: أختي حبيبتي بدي آكل. فتقوم لتجهِّز له الأكل. تقول الأمّ: ناوليني المقص والقطي حواشي هذا الفستان. فتفعل بالضبط ما قيل لها.
لم تفعل مرة ما يحلو لها أو تطلب شيئا يلزمها. كانت الأمّ تزودها بكل ما يلزم وتقول عنها كل ما يقال، ولهذا اعتادت عدم السؤال. حتى في المدرسة، كانت لا تسأل أو تضحك بصوت عال. كانت تبتسم إذا سئلت، ولا تجيب إلا بغمغمة مفهومة أو غير مفهومة، فقيل عنها: "عاقلة وآدمية وعلى البركة." وأحيانا يقولون: "طبطوبة" أي لا تفهم. لكنها تفهم ما يقال إذا ما قيل بشكل واضح. أما الإشارات والتنويهات والغمز واللمز، فتلك أشياء لا تعرفها ولا تلقطها ،ولهذا أسموها "الطبطوبة."
حين بلغت، وكانت قد أكملت الصف الرابع، أخرجتها الأمّ من المدرسة وخاطت لها غطوة وإزارا أسودين لتلبسهما حين تخرج معها للزيارات أو لشراء الأقمشة والحاجات. ونادرا ما حدث ذلك. فظلت الغطوة على حالها شبه جديدة، وكبرت رجلها على الحذاء ولم تستعمله إلا حين خرجت مع أمّها وبعض الجارات إلى حمَّام البلد. تلك الزيارة لم تتكرر، واختبأ الحذاء في الخزانة حتى كبرت رجلها وبات صغيرا، فقالت أمّها: سبحان الله، رجلك كبيرة زي أبوك! فهربت من الغرفة إذ اعتبرت أن كبر القدم عند المرأة ليس جميلا، بل هو دليل الفظاظة وقبح التكوين.
على أية حال، لم تكن جميلة ولا جذابة. كانت شاحبة رقيقة بعود ضامر وضفيرتين نحيلتين وصدر ممسوح. لم ترث الجمال وقوة الإرادة والشخصية عن أمّها. وربما كانت شخصية أمّها الطاغية السبب الرئيس في ضمور شخصيتها وعدم نموها، فظلت مركونة على الهامش في ظل الأمّ. وظلَّت الأمّ تعاملها بصيغة النفي حتى بلغت. حينذاك أحست أن لديها أنثى تحتاج للرعاية واهتمام خاص فخاطت لها غطوة سوداء وإزارا وأخذتها لحمَّام البلد مع الجارات. لكن شحوب ابنتها وضمور الصدر والردفين أثار تعليقات بنات الجيران، فاحمرَّت البنت وأُحرجت الأمّ وتولّد لديها إحساس راسخ بأن ابنتها ليست حلوة، ولن تجد من تتمناها زوجة لابنها، فأغلقت الباب وظلَّ الحذاء في الخزانة، وكذا الغطوة شبه جديدة. لهذا، حين جاء الخال وطلب الفتاة لابنه طار عقل الأمّ ونسيت، أو تناست، كل المحاذير وشجعت الابن على زواج البدل حتى تضمن زواج البنت، وتضمن الغرق في بحر العزّ.
**********
كانت في الخامسة عشرة حين كتبوا الكتاب. ألبسوها الكعب العالي، وحشوا صدرها وغطّوا وجهها كي يراها الشيخ ويتأكد أنّها ناضجة بالغة تصلح للزواج. أما ابنة خالها، وكانت طبعا أكبر حجما وأكبر سنا، فما كانت بحاجة لذاك الحشو. وقفت بكامل قامتها تحت الغطوة، بثقة تامة، وقالت: "وكّلت" فقال الشيخ "على بركة الله." وكتبوا الكتاب.
حين كشفت عروس وحيد النقاب عن وجهها أصيب برجفة كالزلزال. بياض الوجه مثل القشطة، ولون العينين الدعجاوين جعلاه يهيم في بحور الشوق ويتلهف على لمسة يد. كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى امرأة قريبة منه، غريبة مكشوفة الوجه أمام عينيه. كان يرى اليهوديات في شوارع حيفا ويافا، فيحسّ أنّه يشاهد جنسا آخر من عالم لا يمتّ لدنيانا أو دنيا البشر بأية صلة. كن مكشوفات الوجوه والأرجل وبلا أكمام، لكنهن لا يثرن الإحساس أو الشهوة. كن غريبات. كن بعيدات. كن بلا جنس. أما هذه، ما شاء الله! فلديها صدر من مرمر، ووجه كالبدر، ثم عجيزة تدير الطاحون. كان الجمال في ذاك الوقت يقاس باللحم والشحم والبياض الوفير. وكان لديها ما يوصف بكامل الأوصاف. لكنها حين فتحت فمها لتتكلم أصيب بخيبة أمل لم تستمر إلا لحظات ثم تناسى.
أما ابن خاله رشاد، فحين رفع النقاب ورأى أمامه طفلة صغيرة ممسوحة الصدر رغم الحشوة، شاحبة الوجه رغم الحمرة، وبلا تعبير، أصيب بخيبة أمل شديدة، فلوى بوزه ونظر بعيدا وأخذ يتمتم بالشتائم ومسبّات الدين عمّن كان السبب في ذاك الفخ. أما أبوه، وكان المقصود، فكان سعيدا يضحك بحبور، ويسلِّم بكلتا يديه، ويغدق على المهنئين أحلى الألفاظ. كان ما زال في الخمسينات وما زال يحتفظ بقوته وجثة ضخمة، وهذا ما أورثه لبناته. أما ابنه، فصغير البنية ضئيل الحجم مثل أمه، ولونه بني على أخضر وبأنف ضخم. كان قبيحا، وهذا ما أسعد عمته - أي حماته؛ لأنّها رأت أن ابنتها، قياسا بدمامة عريسها، جميلة جدا وتليق له ويليق لها. أما هو، وكان قد اعتاد النوريات وغنج وحلاوة اليهوديات، فرأى بنتا لا تحظى بذوقه ومزاجه، فقرر من فوره أن يهجرها ويتزوج عليها في أقرب وقت.
قال له أبوه بتهديد خفي: أوعى تنجن وتغلط معها. تذكَّر أختك. فتمتم بكلمات غير مفهومة ولَبّسها الخاتم وهو ينظر يمنة ويسرة وإلى أخته التي كانت تجلس بجوار عروسه، وتملأ الكرسي بحضن واسع ووجه كالبدر، وكانت تبتسم بسعادة. أما عروسه، فكانت مجفلة خائفة تنظر للجمع من تحت لتحت، ثم تركِّز على ذهب الشبكة في يديها دون أن تُعير العريس أية نظرة أو تقول له أية كلمة. كانت تنتظر أن يقول لها ما تجيب عليه. لكنه لم يقل إلا "إمسكي هذه،" وهو يناولها علبة الذهب المخملية، ويفك الزردات، ويغلقها حول معصمين رفيعين مثل العيدان.
شبكة العروسين كانتا فخمتين. الخال اشترى الشبكتين كنقوط منه. وكان الاتفاق على أن تتم الخطوبة وكتب الكتاب في احتفال بسيط في نابلس، على أن يحتفل بالعرس المزدوج في حيفا بعد أشهر. في تلك الأثناء تقوم العروستان بشراء الجهاز، ويقوم وحيد بترتيب أموره العملية والعائلية بحيث ينتقل إلى حيفا دون إرباك. وهكذا، في ذاك المساء، بعد أن انفضّ الجمع وغادر أهل حيفا إلى حيفا واختلى وحيد بأمه، قال لها بقلق واضح إن انتقالهم إلى حيفا سيكون صعبا على الجميع؛ لأن التغيير سيكون كبيرا وأكيدا. فقاطعته بسرعة وثقة:
- أنا وأخوتك نظل بدار العيلة، وأنت وأختك عند خالك هناك. حيفا قريبة، كلّها ساعتين أو ثلاث وأكون عندكم. أنا قلبي عليك مطمئن، لكن أختك...
وتلفتت حواليها، وقالت همسا:
- وداد يا وحيد مسكينة، وهذا الولد، ابن خالك...
هزّ رأسه، وسأل بقلق:
- يعني غلطنا؟
نظرت بعيدا، وهمست بخوف:
- أنا خايفه عليها من الدنيا! البنت صغيرة ومغمضة.
وصمتت لحظات ثم عادت لتقول بلهجة اعتذاريه كما لو كانت تبرر فعلتها:
- أنا خفت عليها تتعنَّس. أنت عارف...
وكانت تقصد أن شكل وداد ليس جميلا، وأن ذاك الشكل لا يؤهلها للحصول على حظ أفضل. لكن الولد ابن أخيها لم يبادل ابنتها أية كلمة. سألت وحيداً إذا كان قد لاحظ ذلك، فهزّ رأسه نفيا وظلَّ صامتا، لأنّه لم يلحظ ولم ينتبه، فقد كان مشغولا بعروسه، يتأمّلها ويبتسم لها وتبتسم له، ويتحين الفرصة ليقول لها كلمة من هنا وكلمة من هناك في غفلة عن جموع النسوة المحتفلات. في ذاك الجمع، وصوت الفونوغراف يلعلع بأغنية مصرية، وصوت النسوة، وعدد كبير من الأطفال، وانشغاله التام بعروسه، لم يلحظ ما كان يدور حوله بجانب أخته، فسأل بفضول:
- يعني ما قال لها ولا كلمة؟
قالت بقلق:
- ولا حتى ابتسم.
حدّق في وجهها يتفحصها، فقالت بأسى:
- ولا نص كلمة.
*********
بعد كتب الكتاب لم تذق وداد طعم النوم. كانت تفكِّر بالعريس، ماذا سيقول وماذا سيفعل؟ منذ كتب الكتاب لم تسمع منه. فرحت جدا بذهب الشبكة، وأصيبت بإثارة كالحمى وهي تخرج مع أمّها لانتقاء الجهاز. كانت صغيرة وبريئة ولا تعرف من دنياها إلا ما تسمع من أمّها ومن أخوتها. ولهذا كانت فرحتها بالشبكة والملابس فوق العادة. كأن السماء انفتحت فجأة واستجابت لدعاء لم تطلقه، لأن ما حدث كان أكثر من أي دعاء أو أي حلم. ذهبٌ وملابس حريرية وحذاء جديد وآخر وآخر ثم فساتين. سبع فساتين كل واحد منها بلون: أحمر وأخضر وأصفر وأزرق وغيره وغيره. وملابس داخلية مزوقَّة بالتلّ وبالدانتيل. كل هذا لها؟ مثل الأحلام! أما العريس، فلم تفكِّر فيه كثيرا، لأن الذهب والملابس كانوا أهم. ولكن، بما أن وجود العريس كان السبب في كل ذاك السخاء، إذن لا بد من تقديره.
أمّها قالت ما لم تفهمه. قالت إن على المرأة أن تكون قوية حتى تتحمل مزاج الرجل وطلباته، وأن تكون ذكية حتى تعرف كيف تلجمه وتحتفظ به. لم تسأل أمّها ما معنى هذا وما معنى ذاك، إذ فهمت أن على المرأة أن تكون قديرة في أمور المطبخ وشؤون البيت، هذا مفهوم. أمَّا أن تلجمه لتحتفظ به، فهذا ما عجزت عن فهمه. إذ كيف تلجمه؟ هل هو حصان حتى تلجمه؟ وكيف تحتفظ به، وهي على ذمته بعد كتب الكتاب؟ احتفاظه بها واحتفاظها به تحصيل حاصل بفضل كتب الكتاب والخواتم، وذهب وجهاز وملابس. ألم يشتروا كل هذا وذاك ليحتفظ بها وتحتفظ به؟
توتر أمّها وقلقها جعلها تستغرب وتتساءل: لماذا لا تبدو سعيدة؟ ألم تقل لها منذ أول يوم "بكرة تصيري زي الملكة؟" ألم تقل أن باب السماء انفتحت لهم وسيصير وحيد مثل البكوات؟ لماذا إذن تبدو غاضبة وحزينة؟ لماذا لا تكفّ عن ترديد كلمات وعبارات لا معنى لها؟ لماذا سألتها كما لو كانت غاضبة أو مستاءة عمّا قالاه؟
قالت الأمّ:
- أنا شفته قال لك كم كلمة.
قالت البنت بسذاجة:
- قال لي امسكي هذي العلبة.
همرت الأمّ:
- هذا كل شيء؟
واستدارت بوجهها، وهمست بقلق:
- استر يا رب!"
وتركت البنت ترتب الجهاز في أهرامات.
**********
دعاهم الخال لقضاء يوم في جريشة. وجريشة مكان للنزهات فيه نهر وشجر وقوارب وشلال صغير، يضعون تحته سلال الفاكهة والبطيخ حتى يبرد. وهناك مغارة يخرج منها ماء بارد برغوة كثيفة يكتشفها الرجال برفع البناطيل والخوض في الماء حتى الركبة، بينما تجلس النساء بالملاءات تحت الشجر قريبا منهم يعددن الأكل بسعادة. كانت فلسطين كالجنة، وكان الناس في غيبوبة.
ابتدأ التحضير للنزهة بإعداد الأكل. امتلأ المطبخ بالخيرات ودخان الفرن وزيت القلي. كُبَّة ومقالي وصفيحة وأقراص سبانخ ومتبَّل. سألها وحيد وهو يضحك:
- كل هذا الأكل ليوم واحد؟
قالت باعتزاز:
- خالك أرمل، وبناته كسالى ودلوعات.
قال متوددا:
- تسلم هالإيد ما نعدمها.
وتركها واستدار نحو الساحة، وجلس وحده عند البركة تحت الخشخاش. كان سعيدا، فأحست الأمّ بالخيبة. فها هو سندها ورفيقها في العبء ينشغل عنها بعروسه. وهذا الانشغال لا مبرر له؛ لأن عروسه مثل اللعبة، وجه جميل ورأس فارغ. رأتها مرة تصب القهوة وتدلق وتشرشر وترشرش. فإذا كانت تفعل ذلك بصب القهوة، فماذا تفعل بطبيخ الزوج؟ ماذا تفعل بشؤون البيت؟ ماذا تفعل بالأمومة حين تحبل وتلد الأطفال؟
لم تتفوه بأي من ذاك لأنّها المسئولة عما حدث. ألم تكن هي من شجعته على ذاك الزواج؟ ألم تتحمَّس لزواج البدل حتى تزوج ابنتها فلا تتعنَّس؟ إذن السكوت أحسن وأشرف، لأن الاعتراض فات أوانه، ولا اعتراض على حكم الله. هذا نصيبه ونصيب البنت. على كل حال، لا أحد يعرف من أين يأتي الخير وما الأفضل. فلو ظلت وداد كالعوانس، أهذا أفضل؟ ولو ظل وحيد في نابلس، أهذا أحسن؟ لا، لا يمكن. فلو ظل في نابلس لظلَّ فقيرا على قد الحال يعمل في سواقة السيارات ويعود إليها كل مساء بما لا يكفي، فتضطر للعمل في الخياطة ورقع القنابيز. إذن لا اعتراض على حكم الله. الخيرة فيما اختاره الله. نصيب البنت ونصيبه. وما عليها سوى أن ترضى بحكم الله وتقنع به.
لكن، الغريب، أنّها لا تحسّ بالسعادة وينخرها الخوف، فماذا تفعل؟ صلَّت ركعات إضافية. قرأت سورة ياسين عشر مرات. عملت استخارة للاثنتين، والاستخارة تنبئها أن الخيارات ليست خيرا، فتعيد الاستخارة ثانية وتكون النتيجة واحدة، فيزداد الخوف وتزداد صمتا وشحوبا، فتسألها البنت: مالكِ يَمَّه؟ فتهزّ رأسها وتقول بوجوم: ما مالي شيء. فتسألها البنت: خايفه نتزوج وننساك؟ فلا تجيب. تغرز رأسها في جهاز البنت تخيط هذا وتسوي ذاك، فتقول البنت بسعادة: حيفا قريبة، تعالي زورينا كل جمعة، تنامي عندي. البنت أقرب من الكنّة، صح يا أمي؟
تقول"صح" وقلبها يخفق، لأن القول صحيح جدا. البنت أقرب من الكنَّة. البنت أضعف من الولد، جناح مكسور. البنت صغيرة على الزيجة، والعريس قبيح، قبيح جدا. تصلها أخبار بأنّه داير، ما زال يدور. يسكر ويخمر وينثر النقوط على الرقَّاصات والجنكيات ويشعل سجائر اليهوديات بعشرة جنيهات.
سألت أخاها، فقال لها:
- الولد صغير. بكره الزواج يخليه يعقل. أنا متأكد. وجود وحيد معي فوق رأسه لازم يوعيه. أنا متأكد. وبعدين يا أختي، كلام الناس ماله نهاية ويعمل من الحبة قُبّة. اسمعي مني. أولادنا بخير، وأنا وأنت بخير. خذي هذا المبلغ يا أختي ودبري أمورك. بلاش خياطة. الخير كثير والحمد لله واسمعي مني اتركي نابلس. حيفا أحسن. الدنيا هناك أحلى وأحسن. بحر ومينا وناس زي النمل وشوارعها فيها كهارب وفيها عمارات ما شاء الله! وأنا عندي عمارة في الكرمل ثلاثة طوابق: طابق لرشاد، وطابق لرشا، وطابق لك إذا وافقت. يعني تكوني قريبة منَّا.
هزّت رأسها، وقالت بقنوط:
- أنا لازم أظل بدار العيلة. أنت لك في الدار أكثر مني.
نهرها أخوها وأسكتها:
- هس، ولا كلمة. أقول لك عمارة تقولي لي الدار!
قالت بحزن:
- الدار لمتنا وسترتنا أنا واولادي. ما شفنا بظلها إلا الخير.
قال ساخرا:
- خير الخياطة ورقع القنابيز!
نظرت اليه من تحت لتحت، وقالت بخبث:
- لولا الخياطة ورقع القنابيز لمتنا من الجوع.
وصمتت فجأة كي لا تكمل وتكيل له اللوم وتقول له كلمة جافة تذكِّره بما نسي هو، ولم تنس هي، أنّه لم يسأل عن أخته حين احتاجت. أنّه لم يسأل عن الأولاد حين كانوا صغارا أيتاما وبحاجة لكتف تسندهم وتحنو عليهم. في ذاك الوقت حين احتاجوا لم يجدوا أحدا يسندهم أو يطعمهم إلا الخياطة ورقع القنابيز، ثم هذا البيت وبابور الطحين والسيارة هنا في نابلس. مالها نابلس؟ صارت كخة؟ لأن نابلس بقناديل تضوي على الكاز وحيفا بلمبات وكهارب؟ لأن نابلس بلا ميناء وحيفا على البحر؟ لأن نابلس بلا أجانب ولا يهود ولا رقَّاصات؟ نابلس مستورة بعتمتها. نابلس للناس المستورين. نابلس لها، وهي لنابلس.
ونظرت حوله، فرأت الدار، دار العيلة، مثل الجنة. سقف عال وكلّيل عريض وزجاج نوافذ يصل السقف، وساحة الديار حيث البركة وشجر الخشخاش وأصص الريحان والياسمينة تظلل شبابيك غرفتها وغرف الأولاد.
سيرحل ولدان من هذا البيت. وحين يتخرَّج أمين سيلحق بهما ليدرس في القدس، ومن بعده سمير. كل في طريق. كل في اتجاه. وتبقى هي في ظل الدار والياسمينة وشجر الخشخاش. الابن يغيب وهي تبقى. مهما غابوا ومهما رحلوا ستظل الدار، وتظل هي، لأن الأمّ أصل العيلة، هي سند الدار.


