كتاب " المأساة والرؤية المأساوية في المسرح العربي الحديث " ، تأليف عبد الواحد ابن ياسر ، والذي صدر عن
أنت هنا
قراءة كتاب المأساة والرؤية المأساوية في المسرح العربي الحديث
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

المأساة والرؤية المأساوية في المسرح العربي الحديث
وتبدو المنهجية الصارمة أيضا في دقة التعبير عن المراد مدعّمة بطائفة متنوعة من المصادر والمراجع أيا كانت عربية أو أجنبية، مستندة على نقولات تعزز الفكرة المركزية وتدل على اطلاع وإلمام بمتعلقات الموضوع. كان هم المؤلف من وراء كل ذاك أمران: نقل المعرفة بكامل الوضوح وإدماجها في سياق عام ينتظمها وغيرها من المعارف التي لها اتصال بالمسرح. كل ذلك مع الإصرار على تجنب الفضفاضية التي تسيء إلى الموضوع المدروس أكثر مما تحسن إليه.
وتبدو المنهجية مرة ثالثة في الإحاطة، تلك العلامة التي لا يخطئها النظر وهو يقرأ الكتاب. إحاطة تتعلق بتقديم أقصى ما يمكن من المعلومات في إطار يتغيا خدمة الفكرة المركزية التي يدافع عنها المؤلف من خلال كتابه. هناك جولات يتعلق أولها بأوليات المسرح وسيروراته، وثانيها بلغته المتأرجحة بين الفصيح والعامي، وثالثها بفنية التعبير الشعري العمودي أو التفعيلي أو النثري.
وتبدو هذه المنهجية مرة رابعة في ذلك التبويب المحكم الخاضع لمنطق تدرج الفكرة المركزية، من مرحلة وضع الأسئلة إلى مرحلة استخلاص أجوبة عنها قائمة على أساس العرض الحيادي والتحليل المتبصر والاستنتاج النهائي.
إذا تجاوزنا كل هذا، فهل من السهل الجواب على مثل هذا السؤال: ما مشروعية بحث المسرح العربـي على موطئ قدم في تلك الرقعة الفسيحة التي تنتظم تاريخ المسرح العالمي؟ إذا كان ذلك ممكنا فما هي الطريقة الناجعة التي ينبغي التقيد بالسير على هديها في هذا السبيل. لا شك في أن المسرح العربـي جرب التقليد وسيلة أولية من أجل تقريبه إلى العموم، وبعده الاقتباس وسيلة تعريبية (كالتمصير أو المغربة) وذلك عبر إلباسه زيا عاميا/فصيحا، وبعده بحث عن طرق تأصيل تسعى إلى تجذيره في طقوس هي من صميم ممارستنا الاحتفالية.
يظهر لي أن استيعاب السياق الثافي الكوني يستلزم أن يبلور هذا المسرح جميع الإشكاليات التي تسببت العولمة في إيقاظ فتنتها خاصة في مجتمعات لم تأخذ بعد نصيبها الكامل من المعاصرة. ليست القضية بحثا عن أسلوب بقدر ما هي في الكشف عن معطى يبرر انسجام هذه المجتمعات مع عصر العولمة إن سلبا وإن إيجابا، مع العلم أن هذه العولمة عولمتان اثنتان: عولمة غالب وهي وجه سيئ يهدف إلى إضعاف الضعيف لاستمرار قوة القوي، وعولمة مغلوب على أمره (وتلك عولمتنا) تستهدف نقض قوة القوي من أجل الخروج من منطقة الضعف. إذا كان مسرح العبث حسب رأي (مارتن إسلن) يعكس انخفاض ضغط الدم في شرايين عولمة الغالب، فهو لا يقدم كبير فائدة تعالج العولمة المغلوبة بها نقائصها، فما الهجرة السرية مقابل الهجرة الكولونيالية السابقة إلا واحدة من مجموعة من المشاكل يعاني المغلوب من أعراضها والغالب من تشويشها على برامجه وأهدافه.
أقول هذا الكلام لا لأنتقد فكرة تأصيل المسرح شكلا على مضمون، بل لأشير إلى أننا لسنا في حاجة إلى مثل هذه التفاصيل. ما نحن في حاجة إليه هو تطويع المسرح لخدمة معمارنا الثقافي بحيث يتسع لاحتواء ما عندنا من مظاهر فرجوية ترقى بتشخصيها إلى مسرحة شاملة هي خصوصيتنا. لا يضيرنا ألا نتوفر على تقاليد مسرحية لها تاريخيتها البعيدة. الذي يضيرنا هو اجترار تجريديات الآخر، تلك التي لا تنسجم مع حيويتنا الإبداعية.
أنا متأكد من أن هذا الكتاب شاطرني في هذه الخلاصة التي ذهبت إليها مرة بالتصريح وأخرى بالضمني، فما احتوى عليه من الخصوبة المعرفية يجعل قارئه- حال قراءته- على إلمام بمجموعة من الإشكاليات التي عرقلت تجذر المسرح في حياتنا. وسوف يكون هذا الإلمام إسهاما قرائيا في تدعيم وجهة نظر المؤلف والبرهنة على صحتها، وتلك مزية واحدة من بين عدد عديد من مزاياه.
الدكتور محمد السرغيني

