يناقش هذا الكتاب ، الآثار المترتبة عن إستراتيجية الاحتواء الأمني الأمريكي على العالم الإسلامي ، والدوافع التي تقف ورائها، والأهداف التي تحركها ، وفى مقدمتها : حماية المصالح الأمريكية في المنطقة ، واحتواء المد الإسلامي المتمثل في الصحوة الإسلامية على مستوى د
You are here
قراءة كتاب إستراتيجية الاحتواء الأمريكي وآثارها على الدول الإسلامية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

إستراتيجية الاحتواء الأمريكي وآثارها على الدول الإسلامية
ب- مفهوم الأمن القومي:
مفهوم الأمن القومي هو مفهوم مركب، وهو تلخيص لمجمل العلاقات التي تدخلها دولة ما، أو مجموعة من الدول، انطلاقاً من حماية مصالحها، ومواجهة الأخطار التي تهددها. والأمن القومي يحتل مكانة مركزية في التفكير الاستراتيجي السياسي والعسكري، وذلك لعدة اعتبارات منها: ان الأمن القومي هو محور السياسة الخارجية لأي دولة ولمجموعة من الدول، فالسياسة الخارجية هي في المقام الأول سلوك الدولة الخارجية، انطلاقاً من مفهومها لأمنها القومي وحمايةً له، بل أن بعض الباحثين يذهب إلى القول بضرورة النظر إلى مجمل العلاقات الدولية، من وجهة الأمن القومي.
ويترتب على ذلك أن تحديد أي استراتيجية للعمل القومي للدولة في مجال التصنيع والتنمية أو السياسة الخارجية، وغيرها من الموضوعات يفترض وجود مفهوم، أو نظرية للأمن، تنطلق منه وتسعى إلى تحقيقه , فوجود مفهوم واضح للأمن القومي، يسمح بتحديد الاولويات بشكل علمي وسليم، بحيث تشكل الحلول والإجراءات التي يتم التوصل إليها في مرحلة ما، نظاماً متسقاً مع المصالح القومية في الأجل الطويل.
التعريف بمفهوم الأمن القومي:
الأمن يمثل مفهوماً مركزياً في حياة كل المجتمعات بغض النظر عن درجة تطورها، وهو ما يثير في الأذهان معاني البقاء، والتكامل الإقليمي، والتماسك الاجتماعي، وحماية المصالح والقيم المجتمعية ضد التهديدات الخارجية.
وبتعبير عليّ الدين هلال، يمكن التمييز في تطور هذا المفهوم بين مدرستين أو مرحلتين. ففي المرحلة [ الأولى ] التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة، واستمرت عبر الخمسينيات، ساد (مفهوم عسكري استراتيجي) للأمن. ثم برز في المرحلة [الثانية ] التي أعقبت ذلك مفهوم أكثر تطوراً واتساعاً، ويُدخِل في اعتباره الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، لقضية الأمن العسكرية، في إطارها (المجتمعي) الأكبر.
الأمن القومي كمفهوم عسكري:
هذه المدرسة، تربط بين الأمن القومي، والقوة العسكرية للدولة، وبين المقدرة على مجابهة الأخطار والتهديدات العسكرية. وهنا تعرف دائرة معارف العلوم الاجتماعية الصادرة في عام 1968م، الأمن القومي بأنه: (قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديداتالخارجية)، وتذكر دائرة المعارف البريطانية تحت مادة الأمن الدولي"International Security" أن الأمن القومي هو: (حماية الأمة من خطر السيطرة بواسطة قوة أجنبية).
ويحلل هلال هذا المفهوم ويحوله إلي عناصر مرتبطة بالأمن القومي كما يلي:
- أنه يرتبط بالقدرة العسكرية للدولة، كما يرتبط بمفهومي الردع والقوة.
- أن التهديدات الأساسية التي تواجهها الدولة، هي ذات طابع عسكري، ومصدرها خارجي، ومن ثم ينبغي ملاقاتها بتعظيم القوة العسكرية، وأن تكون الدولة على استعداد دائم لمواجهة أي تهديد عسكري.
- أن مسئولية تحقيق الأمن، تتولاها الجيوش، وأجهزة المخابرات التابعة للدولة.
وقد تعرض هذا المفهوم لانتقادات متعددة، أبرزها أن التهديدات التي تواجهها الدول والمجتمعات – وبالذات النامية منها – ليست ذات طابع عسكري وحسب، بل أن هناك تحديات أخرى لا تقل أهمية وإلحاحاً، مثل عدم الاستقرار السياسي، وعدم التكافل الاجتماعي، واحتمالات الحروب الأهلية، والجوع، وفشل تجارب التنمية. .. وبذلك لم يعد الأمن مجرد قضية الاستعداد العسكري، والقـدرة العسكرية، بل اتسع ليشمل أبعاداً اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية وأيدلـوجية.
الأمن القومي كقضية اجتماعية:
من الدراسات الأساسية التي لعبت دوراً مهماً في إبراز المفهوم المجتمـعيSocietal)) للأمن، كتاب " روبرت ماكنمار"، وزير الدفاع الأمريكي، ورئيس البنك الدولي الأسبق بعنوان "جوهر الأمن" الذي ينطلق فيه المؤلف من نقد المفهوم العسكري للأمن فيقول: نحن لا نزال نميل إلى أن نتصور الأمن القومي على أنه حالة الاستعداد المسلح فقط تقريباً، وأنه يتمثل في ترسانة ضخمة رهيبة من الأسلحة المختلفة. ولم نزل نميل إلى الافتراض بأن هذا العنصر العسكري هو الذي يخلق الأمن أساسـاً... والأمن ليس هو المعدات العسكرية، وأن كان قد يتضمنها، والأمن ليس النشاط العسكري التقليدي، وأن كان قد يشمله، أن الأمن هو التنمية، ومن دون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول النامية التي لا تنمو في الواقع، لا يمكن ببساطة أن تظل آمنة. .. إن القوة العسكرية ما هي إلا وجه سطحي ضيق لمشكلة الأمن الكبرى، فالقوة العسكرية يمكن أن تساعد في توفير القانون والنظام، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بقدر يتناسب مع الوجود الفعلي لقاعدة صلبة للقانون والنظام في المجتمع النامي، ورغبة أساسية في التعاون من جانب شعبه. وهكذا فان الأمن في البلاد النامية، ينبع حقاً من النجاح في جهود التنمية، وفي تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والأمن والتنمية هما إذاً وجهان لعملة واحدة، فبلا تنمية لا يوجد الأساس الاجتماعي للأمن.
ومن خلال هذه الرؤية الأمريكية، لأحد رجالها النافذين (ماكنمار) فيما يتعلق بسياسات الأمن والدفاع، يمكننا تفسير بعض مسلك الولايات المتحدة في سياستها الخارجية من هذه الزاوية، وذلك من خلال ما يجري على الأرض الآن لتنفيذ الاستراتيجية الأمنية الأمريكية، بالرغم من أن الفكر الأمريكي كما أشرنا سابقاً يعتمد القوة العسكرية، كمسلك استراتيجي في تحقيق محددات السياسة الخارجية.
ومن خلال ما ذكر ايضاً، تتضح الصلة الوثيقة بين مفهومي الاستراتيجية، والأمن القومي - في هذا العصر -، وبالذات فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وحماية المصالح الحيوية في داخل الدولة وخارجها، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة بقاء الدولة، حيث يعتبر البقاء هو المصلحة الكبرى.
وفيما يلي نيود الانتقال إلى مفهوم استراتيجية الاحتواء الأمني، ليتكامل الفهم العام الرابط ما بين الاستراتيجية، والأمن القومي، ومفهوم الاحتواء.

