يناقش هذا الكتاب ، الآثار المترتبة عن إستراتيجية الاحتواء الأمني الأمريكي على العالم الإسلامي ، والدوافع التي تقف ورائها، والأهداف التي تحركها ، وفى مقدمتها : حماية المصالح الأمريكية في المنطقة ، واحتواء المد الإسلامي المتمثل في الصحوة الإسلامية على مستوى د
You are here
قراءة كتاب إستراتيجية الاحتواء الأمريكي وآثارها على الدول الإسلامية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

إستراتيجية الاحتواء الأمريكي وآثارها على الدول الإسلامية
الاستراتيجية الأمنية وصُناع قرار السياسة الخارجية :
هناك علاقة وثيقة ما بين الاستراتيجية الأمنية، وصناع القرار السياسي الأمريكي، خصوصاً في السياسة الخارجية، وذلك بسبب التلازم ما بين السياسة الخارجية، والاستراتيجية الأمنية، فكلاهما ينبع من المصلحة القومية العليا، التي تحميها القوة، يقول حسن الرشيدي: (تقوم السياسة الخارجية الأمريكية على القوة، المرتبطة بتحقيق المصالح , فما زالت أمريكا متمسكة بنظرية "مورغنثاو" و"كسينجر" والتي تقول بأن المصالح لا تتحقق بمعزل عن القوة , وأن القوة يجب أن تبقى حاضرة إذا أرادات الدولة أن تضمن سياستها الخارجية).
ويعتبر منصف السليمي، أن الاستراتيجية تعد من منظور صناعة القرار السياسي، الإطار الذي يضبط قواعد سلوك أصحاب القرار، للوصول إلى القرار النهائي، ويتم التمييز في هذا الصدد بين القرارات الاستراتيجية، والقرارات التكتيكية، أو الفرعية، أو الروتينية. فالقرار الاستراتيجي هو القرار الذي يحمل خصائص السياسة العامة للدولة، وليس وجهاً أو خاصية فرعية عنها. ..، ولأهمّيته وبعد أثره، في مجريات حياة الدولة وعلاقاتها مع محيطها الخارجي، يكون القرار الاستراتيجي نابعاً من أعلى مراكز الدولة ومستويات قرارها، كرئيس الدولة، أو القائد العام للقوات المسلحة.
وفيما يتعلق بتوقيت اتخاذ القرار تجاه مسألة استراتيجية معينة، يقول السليمي ايضاً: إن القرار الاستراتيجي قد يصدر في أوقات طبيعية معتادة، ولكن حيث توجد مشكلة جوهرية تتطلب قراراً هاماً بعيد الأثر. كما قد يوجد أيضاً في موقف الأزمة غير المعتادة، ولموقف الأزمة تأثير على عملية صناعة القرار الاستراتيجي الخاص بإدارته ومعالجته، وقد ينتج آليات وعمليات مختلفة عن تلك المعتادة في صناعة القرار الاستراتيجي في الأوقات الطبيعية. ... وتُمَكّن الدراسات الاستراتيجية من تمييز القرار الاستراتيجي عن سائر القرارات، فمثلاً يمكن اعتبار قراري الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان سنة 1979م، وقرار انسحابه سنة 1988م، قرارين استراتيجيين، نظراً لتأثيراتهما العميقة عسكرياً وسياسياً على التوازن بين القوتين في العالم. كما يعتبر التوصل لاتفاقيات سالت الأولى، والثانية بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي 1973 – 1975م قرارات استراتيجية، نظراً لانعكاساتها الهامة على مصير التوازن العسكري والنووي في العالم.
من جهة أخرى، وفيما يتعلق بصناعة القرار الاستراتيجي الأمريكي، على الصعيد الخارجي، نجد أن السياسة الخارجية الأمريكية، تختلف تجاه الأطراف الأخرى، أو تجاه القضايا الدولية، باختلاف الاتجاهات السياسية الفاعلة، والمسيطرة على عملية صناعة القرار الخارجي في مرحلة معينة - ولئن بقيت الأهداف العامة ثابتة - وتعتمد بشكل رئيس على الاتجاه السياسي السائد في الإدارة الأمريكية، الذي يختلف من اتجاه لأخر في التطبيق والممارسة، ويمكن التمييز في هذا الصدد، حسب د. عليَ الدين هلال، بين ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه المحافظ الجديد، والاتجاه المحافظ التقليدي، والاتجاه الليبرالي. والتي يستعرضها بإيجاز على النحو التالي:
ينطلق الاتجاه [الأمريكي] المحافظ الجديد، الذي يستقي مواقفه من منطلقات استراتيجية عسكرية، من منظور القوة العسكرية، كعامل أحادي في تقويم مجمل الموازين الاستراتيجية والسياسية. ويركز هذا الاتجاه على الناحية الأيدلوجية، فيقوم بالتشديد على مفهوم العالم الحر " والتراث الحضاري الغربي " و " القيم الديمقراطية ". والحليف في مفهوم هذا الاتجاه، هو الطرف الذي يستطيع القيام بدور الوكيل في منطقته. .. بما يحافظ على استقرار معين، أو يساهم في زعزعه استقرار آخر، وهو الذي يوظف سياسته في إطار ردع الإتحاد السوفيتي [ سابقاً ]، أو حلفائه، حسب التعريف الأمريكي، ووفقاً لهذا الاتجاه، تعتبر إسرائيل المكسب الاستراتيجي الرئيسي في مواجهة السوفيت في الشرق الأوسط، [ كان هذا في ظل الثنائية القطبية، أما الآن فان دور إسرائيل تحول إلى مواجهة دول العالم العربي والإسلامي في المنطقة، وخاصة الدول التي لديها طموحات لتكون قوى كبرى ]. ويطمح هذا الاتجاه إلى إعادة فرض هيمنة الولايات المتحدة عالمياً، كما كانت في العقد الأول بعد الحرب العالمية الثانية، وهو اتجاه متشدد مع الحلفاء، وصدامي مع الأعداء.
أما الاتجاه المحافظ التقليدي، فيعطي أهمية لعامل القوة العسكرية، إلا أنه بعكس الاتجاه السابق، ويعطي الأهمية ذاتها للقوة السياسية في مفهومها الشامل، ويملك هذا الاتجاه رؤية تجريبية، بحيث يستخدم مختلف الوسائل الدبلوماسية في خدمة أهدافه. وهو بذلك أكثر مرونة من الاتجاه الأول، ويتعامل مع الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى لها مصالحها. وليس كخطر أيدلوجي قائم، ويرى غالباً أن هناك مجالات للتعاون معه. وهذا الاتجاه أقل تشدداً وأكثر تفهماً لمواقف الحلفاء من الاتجاه الأول، وهو الأكثر منـاورة وأقل صدامية مع الأعداء. وفي حين يرى هذا الاتجاه أن إسرائيل حليف استراتيجي مهم، إلا أنه يُولي بعض الأهمية للأطراف الصديقة الأخرى في المنطقة، ولو أدى ذلك إلى الاختلاف بعض الشيء مع إسرائيل.
وأخيراً، الاتجاه الليبرالي، الذي ينطلق من ضرورة إصلاح النظام العالمي، على أساس مفاهيم حقوق الإنسان والتنمية، وضرورة وضع العلاقات مع العالم النامي في إطار احترام خصوصياته وتعدديته. ويولي هذا الاتجاه أهمية خاصة للمصادر المحلية والإقليمية للنزاعات، ويبدي تفهماً كبيراً لقضايا التحرر الوطني، وهو بذلك يولي وزناً مهماً للعوامل الإقليمية على حساب المنظور الكوني. ومن المفارقات الكبرى أن ليبرالية هذا الاتجاه تتوقف عند حدود الصراع ((العربي - الإسرائيلي))، بحيث أن المعايير التي يستعملها في تحديد مواقفه في عدد من الحالات المشابهة، يسقطها في حالة هذا الصراع، ويناقضها أحياناً، حتى يمكن وصف هذا الاتجاه بالليبرالية "الانتقائية"، ومن المفارقات أيضاً أن يلتقي مع الاتجاه المحافظ الجديد، في حدة تأييده لإسرائيل، ويرى في هذه الأخيرة، نموذجاً للقيم والمثل التي يدعو إليها.
ويرى الباحث أن هذا المدخل كان ضرورياً، لمعرفة الاتجاهات، والكيفية التي يُدير بها صناع القرار الأمريكي استراتيجيتهم الأمنية، التي صيغت ملامحها في شكل مبادئ للرؤساء الأمريكان، تجاه العالم الخارجي، ولو أن الاختلاف بين هذه الاتجاهات ليس جوهرياً، أو عميقاً بحيث يحدث شرخاً واضحاً، في علاقة الولايات المتحدة بالعالم.
أما فيما يتعلق بالأجهزة المختصة بصناعة القرار الاستراتيجي الأمريكي، في مجال السياسة الخارجية، والأمن القومي، فنجد أهمها بلا منازع (مجلس الأمن القومي) الذي تم تأسيسه عام 1947، وذلك من أجل دمج السياسات الداخلية والخارجية والحربية، في استراتيجية واحدة، لتحقيق الأمن القومي. أما اليوم فان المجلس يقوم برسم الاستراتيجية القومية، وتحديد مسارها، فهو يضع في الاعتبار كلاً من الدستور والقوى السياسية والحربية والنفسية من جهة، والغايات والمبادئ والأهداف والالتزامات القومية من جهة. وبعد الدراسة يستخلص المصالح القومية، ويحدد عن طريقها الأهداف القومية، وبناءاً على هذه الأهداف، يتم التخطيط لتحديد معالم السياسة القومية... بما فيها من الالتزامات الحربية وتحديد الموقف المشترك الاستراتيجي ووضع الخطة الاستراتيجية للقوات المسلحة، وتحقيق السيادة والأمن.
ويتولى مجلس الأمن القومي، إضافة إلى تقديم المشورة الدائمة للرئاسة، تحديد الخطط والبرامج ذات الطابع الاستراتيجي في مجالات الدفاع، والسياسة الخارجية، والأدوار الاقتصادية الأمريكية في العالم، وصياغة الخطوط العامة للقرارات ذات الطابع الاستراتيجي، (عسكرية، اقتصادية، سياسية). إضافة للقرارات الطارئة المرتبطة بالأزمات الدولية، والتطورات المفاجئة، كما هو الشأن في أزمة الخليج، التي ظهر دور المجلس فيها قوياً، وشكّل المجلس إطاراً محورياً لبلورة البدائل والاختيارات ومتابعة الأزمة...، وكان المجلس يمارس هذه الوظيفة باعتباره (خلية أزمة). وتتحدد شروط قرار الأزمة، من خلال جملة من المؤشرات، وفقاً لما يأتي:
- ضيق الوقت، وعدم إمكانية القيام بالإجراءات الروتينية لجمع المعلومات والاستشارة والاتصال، لاتخاذ القرار.
- التهديد باستخدام القوة والعنف.
- عدم توفر المعلومات الكافية للتوصل إلى حل أو تسوية.
ونتيجة لاتساع دور الولايات المتحدة في العالم. فقد أصبحت الحالات الداعية لاجتماعات مجلس الأمن القومي، تتزايد بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، والتي تتميز بظهور انعكاسات انهيار الاتحاد السوفيتي، وبروز بؤر توتر جديدة في العالم …
كما تطرح التحولات الجارية في العالم، على مجلس الأمن القومي، التفكير في إيجاد خطط واستراتيجيات جديدة، لدور الولايات المتحدة في العالم، وتصورات لقضايا التسلح والتوازن النووي وأنظمة الفضاء، وصيغ لحل النزاعات الدولية، والأمن في العالم وخصوصاً المناطق التي تعتبر مجالاً حيوياً للأمن القومي الأمريكي.

