رواية " سأقذف نفسي أمامك " ، تأليف ديهية لويز ، والتي صدرت عن منشورات الضفاف للنشر والتوزيع ، نقرأ من اجوا
You are here
قراءة كتاب سأقذف نفسي أمامك
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
انصرفت إلى غرفتي وبداخلي فوضى الأحاسيس والأفكار المتعاركة. هاهو إذن نسي ما حدث وعاد أبـي، وليس الرّجل الذي أخافني حدّ الرعب. لكني لا أستطيع النسيان؛ لأني كنت بكامل إدراكي، جسدي هو الذي كان يعتصر بين ذراعيه من الرغبة والقرف في اللحظة ذاتها.
ألقيت نظرة على نسيم وهو يغط في نوم عميق، حسدته لأنه لا يعرف من الحياة الشيء الكثير، يكتفي بألعابه القليلة، وبمشاهدة أفلام الكرتون على التلفزيون، يبتسم من أعماقه دون أن يخالجه شك في صدق ما تشاهده عيناه. أحسده لأنه لا يحمل في قلبه سوى البراءة، ولأنه لم يعرف بعد الوجه المخيف للحياة، وربما من حسن الحظ أنه لم يتسنّ له الوقت الكافي لاكتشافه.
استلقيت على سريري، لأعود إلى عالمي الخاص مع رواية إحسان عبد القدوس التي أهدتني إياها صديقتي إيناس. قرأتها أكثر من مرة، لكني في كل مرة أكتشفها من جديد، فيها تلك القدرة الخفية لتُحدث بداخلي زوبعة رائعة، وتعلق بذاكرتي كل تلك التفاصيل التي كان يصفها بدقة متناهية، لا يمكن الريبة في أنها مجرّد أحداث منسوجة من خيال كاتب متميز. تبهرني قدرته على نسج الأحداث بكل تلك الدقة في الزمان والمكان والشخصيات.
كنت أحسده هو الآخر، على الأقل يستطيع أن يكتب ما يريد، بالطريقة التي تعجبه، يخلق أبطالاً من ورق ليرسم لكل واحد حياة وقدرًا على الشكل الذي يرضيه. حتى إنه يولد كل مرّة في كتبه الرجل الذي تمليه عليه لحظة الكتابة، يجعل من نفسه بطلاً إذا شاء، رجلاً لا يعترف بالهزائم، يكتب كل الجوانب التي تنقصه في الواقع ليكون الرجل المثالي، حتى وإن كان ذلك في كتاب.
ليتني أستطيع مثله أن أفصّل روايتي على النحو الذي أريده، وألغيَ منها كل الخيبات والانكسارات التي تملأ صفحاتها بالسواد! ليتني أكتب شيئًا غير الحقيقة لأولد من جديد على الأقل في هذه الصفحات!
لكني لا أملك من الخيال ما يكفي لأنسج قصة أخرى غير قصتي، تفاصيل أخرى غير تلك التي تركت حفرًا بداخلي. لا أملك موهبة الكتّاب في صنع الأحداث، لا أملك سوى الأحداث التي تصنعني كل مرة على النحو الذي يريده الآخرون وليس أنا. لا أملك القدرة على مراوغة القدر على الورق، فلم يترك مني سوى قصر حزين تعبره الرياح من كل الجهات.
لذلك لن أكتب سوى حقيقتي، لأنثرها على صفحات، أغتصب بياضها مثلما اغتصبوا ابتسامتي التي كانت جميلة مثلما كان يقول عمر. لن أكتب سوى نفسي، بكل خيباتها وانكساراتها الداخلية، بكل ضعفها وقوتها. ليس لأني لا أحتاج إلى شخصية جديدة على الورق، فليس هناك أحوج مني إلى شخصية أخرى، أكثر قوّة لتواجه عالمًا لا يرحم. لكن لأني لا يمكن أن أكون غيري، أن أصطنع صفات ليست لي، لا أملك سوى هذه المريم التائهة بين دهاليز الحياة دون أن تعرف وجهتها بالتحديد. لا أملك أكثر..
ها هي كلماتي تتحداني وتذكرني بحقيقةٍ لم أملك يومًا القدرة على مواجهتها. ياه.. ما هذا السحر الذي تملكه الكتابة؟ كيف أستطيع أن أتعرّى بالكتابة ولم أفعل ذلك يومًا حتى مع نفسي؟ كيف يمكن أن أقرّ هنا بحقيقتي التي أهرب منها كل مرة؟ لكن في النهاية، هل سيتغير شيء بالكتابة؟ هل سأشفى من حقيقتي الهشة ومن ذاكرتي العنيدة؟!


