كتاب "العمل الإذاعي- ماهيته، طبيعته، مبادؤه"، هذا الكتاب يتحدث عن مبادئ العمل الإذاعي، حاولنا الوصول إلى هذه الأهداف كنتيجة بعد سلسلة من المقدمات الممهدة للوصول إليها، حيث ابتدأنا بالدعاية والرأي العام مروراً بوسائل الاتصال الجماهيري ثم تحولاً نحو أهداف الإ
أنت هنا
قراءة كتاب العمل الإذاعي- ماهيته، طبيعته، مبادؤه
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
الدعاية والرأي العام
بداية لا بد من التفريق بين الدعاية والإعلام، فالإعلام يقوم على تزويد الناس بالمعلومات الصحيحة، والأخبار السليمة، والحقائق الثابتة الصادقة، من أجل تكوين رأي عام مستنير، بحيث يعبر هذا الرأي تعبيراً موضوعياً عن عقلية الجماهير وروحها وميولها، وهو يخاطب العقل وليس الغرائز كما تفعل الدعاية التي تهدف إلى أغراض معينة تتسم بالتزييف، والعبث بالأرقام والحقائق والمعلومات، واستخدام الأخبار غير الصحيحة والمحرّفة والكاذبة، للتأثير على الناس بهدف تضليل الجماهير وخداعها من أجل السيطرة عليها واكتساب رأيها، رغم أن الدراسات أثبتت أن الرأي يتحدد عموماً بالأحداث أكثر مما يتحدد بالكلمات، ما لم تفسر هذه الكلمات ذاتها على أنها حدث. غوبلز مثلاً قد قفز بالوسائل الدعائية إلى درجة عالية من الفن، ونجح في إنقاذ الأمر بالنسبة إلى حزبه في عام 1932 حيث كان من نتيجة ذلك أن تولد الشعور لدى الرأي العام في ألمانيا بأن حزب غوبلز يلاقي نسبة تأييد إجماعي من شعب ألمانيا، وقد نجحت هذه المناورة في التأثير على الرأي العام، وكان غوبلز يسمي هذه الانتخابات التي تجرى في البداية بأنها انتخابات الطليعة، وكان يرى فيها أهمية بالغة في التأثير على الرأي العام.
والواقع أن الدعاية تستلزم وسائل مغالة لتنظيمها، ومن أهم هذه الوسائل الإعلام الذي يحتاج إلى جهد متواصل لإمداد جماهير المستمعين بالأخبار والأنباء التي يهمها معرفتها، والاهتمام بالواقع، وخواص القطاعات المختلفة من الرأي العام.
وكان غوبلز يهتم بشكل خاص بالإحصائيات، لأن لغة الأرقام كثيراً ما تغني عن التفاصيل التي قد تكون زائدة عن حاجة المستمع العادي، ولأنها تربي الثقة في النفس، حيث كان يعهد إلى تقديم الحقائق مبتدئاً بشرحها وشرح وجهة نظره لما كان يزمع أن يتخذ من قرارات تؤثر تأثيراً مباشراً في الرأي العام.
والدعاية علم كبير يتصل بمستوى غير عادى بالأحاديث والندوات والنقاشات، لأنها في معظمها دعاية متصلة بالرأي العام.
والدعاية مكروهة من قبلنا رغم أننا نقوم بها بشكل متواصل، ذلك لأنها كانت -وما زالت –مرتبطة دائماً بالأساليب الاستعمارية والامبريالية والصهيونية التي تهدف إلى إقناعنا بآراء وأفكار وقضايا ووجهات نظر معينة، لتحقيق أهداف وغايات تلك القوى المعادية العدوانية، وهذه المفاهيم إجمالاً ضد مصلحتنا شعباً وأرضاً ووطناً وحضارة وثقافة وتاريخاً وتراثاً، بينما كلمة "دعاية" في حقيقتها عبارة عن الأسلوب الذي يتبع لإقناع الآخرين لهذا يجب إعادة موقفنا العاطفي منها، لأنها شكل إقناعي فني تقنع به الآخرين.
ويحدد علم الدعاية نفسه فنية الأسلوب الذي به تتم محاولة إقناع الآخرين، فلقد تتخذ الدعاية أحياناً شكل حملة مركزة مثلما حدث أيام العدوان الثلاثي الذي استهدف قناة السويس، ومثلما حدث بالنسبة لما يسمى بمحاربة الإرهاب الذي استهدف أولاً أفغانستان والقضاء على طالبان والقاعدة رداً على أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالمقابل فإنه رغم الذبح اليومي والتصفيات الجسدية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على يد القوات الصهيونية الإرهابية، إلاّ أن الدعاية كحملة مركزة لحماية الشعب الفلسطيني لم تتحقق، بل بالعكس، فالطرف الآخر العدواني الإرهابي استطاع من خلال استغلاله ما يسمى بمحاربة الإرهاب كرد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن يجعل الرأي العام وبخاصة العربي يلزم الصمت إزاء الجرائم الوحشية وعمليات الإبادة الجماعية، التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وانتفاضته.
كذلك قد تأخذ الدعاية شكل حملة بأسلوب يومي، كأن تكون من أجل احترام الناس للحرية والاستقلال، فهذه وغيرها أيضاً دعاية.


