المجموعة القصصية "كان ردائي أزرق" للكاتب العراقي جمال كامل فرحان الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ نقرأ منها: كان عقله مشوشا في تلك اللحظات، متخبطا بين هند وبغداد .. مفكرا بالكراهية، كيف تصنع؟ من أين تأتي وتجيء؟ هل خلقت معنا أم زرعت في القلوب؟
أنت هنا
قراءة كتاب كان ردائي ازرق
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
ساعي بريد
سحبتُ حقيبتي الجلدية السوداء من تحت السرير، نفضتُ عنها الغبار ومسحتها بخرقة زرقاء ناقعة قليلا بالماء، ثم رتبت أغراضي وجهزت ملابسي وبعض ما أحتاجه هناك· غداً بعد طلوع الفجر سأسافرُ إلى بغداد·
منذ عشرة أيام اختفى ابن عمي، انقطعتْ أخباره وضاعت ولا نعرف عنه شيئا·
ما زلت أذكر زوجته أنعام ووقوفها أمامي بوجهها المصفر وكلماتها التي تحشرجت في فمها: اتصل بي بعد وصوله إلى بغداد·· أخبرني أن لا أقلق، غدا صباحا سيكون في الجامعة وينهي معاملة سحب شهادة تخرجه·· ثم ضحك وهو يقول سنتعشى معاً هذه الليلة·
أخذتُ منها عنوان الفندق وعيناها غرقتا بالدموع، وقلتُ وأنا أداري وجهي أن تطمئن ثم خرجت·
في العاشرة والنصف صباحا كنت في كَراج النهضة·
كانت صبيحة شتوية دافئة، سماء زرقاء نقية لا غيوم تخربشها·· وسربٌ مِن الحمام أراه يحلق بعيداً بهدوء وسلاسة· كنت خائفاً ومرتبكاً بعض الشيء، فلم أزرْ بغداد منذ قرابة السنتين· كل ما أعرفه عنها الآن، سمعته من أصدقاء أتوا هاربين منها أو ما قرأته وشاهدته من قسوة وعنف تناقلته الفضائيات كل يوم· خطف، قتل، وذبح بدمٍ باردٍ· هي تصفية متواصلة·· عنف على أشده·· تعصب استفحل منذ زمن وانطلق بلا قيد يجوب الشوارع والطرقات·· فوضى عارمة لا أتخيـــل نهايتها كيف تكون· كل هذا بدا وتفاقم بعد ثلاثين يوما من تفجير مرقدي (علي الهادي والحسن العسكري)·
تركتُ الكَراج وأنا أتلفتُ يمينا وشمالا، وعلى عجل استأجرتُ سيارة أجرة، لم أنظر إلى وجه السائق· جلستُ وأغلقت الباب بقوة وقلت بصوت حاد: إلى شارع (المشجر)·
تشاغلت بفتح حقيبتي التي حشرتها بين ساقي، وعلى مهل رحت أُفتش وأقلب الأغراض كمَنْ نسي أو أضاع شيئاً ما· لكني كنتُ مشوشاً وكنت لا أريد أن أرى ما حولي، وكنت أخشى الحديث مع السائق أو حتى الالتفات إليه· بعد نصف ساعة ترجلت من السيارة وأخذت أبحث عن مكان الفندق· لم أسأل أو أطلب العون من أحد، مشيت مع ظلِّ حقيبتي المتأرجح أمامي وعيناي تتطلعان إلى لافتات المحال وعناوين الفنادق الكبيرة برسومها وزخرفاتها الملونة·