رواية عبد الخالق الركابي "ليل علي بابا الحزين"، تنطلق بأحداثها من الاحتلال الأميركي للعراق، متخذة من معاناة بضع شخصيات موضوعا لها: فتواكب تلك الشخصيات وهي تعيش عنف ما حصل وما نتجت عنه من تداعيات توجت بتفجير سامراء الذي تسبب في حصول فتنة طائفية خسر آلاف الأب
أنت هنا
قراءة كتاب ليل علي بابا الحزين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
يومذاك، وأنا أرافق دنيا في تحرّكها على امتداد شارع الكندي وهي تبحث عن العيادة المنشودة، كنت كالمسرنم: يتبدى لي كل ما حولي - من عمارات وشوارع وسيارات وبشر - بهيئة غير واقعية كما تتبدى الأشياء من حولنا في الحلم!
كنت لا أزال أسير فترة اعتكافي الطويل في البيت على مدى الشهور المنصرمة التي احتدم خلالها الصراع الطائفي على أثر تفجير قبّة الإمامين في سامراء، لا أستطيع التعامل مع ما حولي بالتلقائية المطلوبة؛ حتى إن دنيا اعتادت أن تطلب مني، كلما كنا بصدد عبور أحد الشوارع، ضرورة التروّي والحذر، لتضيف، في كل مرة، معتذرة:
- يؤسفني اضطراري إلى فرض نفسي عليك في وقت غير ملائم على الإطلاق·
حتى إذا ما اهتدينا إلى العيادة، وارتقينا درجات سلّم العمارة داخلين غرفة الفحص، طلبت الطبيبة مني تركها لتنفرد بـدنيا، فخرجت مطبقاً الباب ورائي لأتهالك جالساً على إحدى أرائك غرفة الانتظار الخالية، أراقب بنظرات شاردة عقرب الثواني وهو يتواثب في دورانه على محيط الساعة الجدارية، مسجّلاً الدقائق وهي تنصرم ببطء قبل أن ينفرج الباب ثانية عن وجه دنيا المكفهرّ، تتعقبها الطبيبة التي خاطبتها مودّعة:
- الأمر مؤكد يا ابنتي، مضت عليه شهور؛ فلا مجال للخطأ في التشخيص!
وأردفت وقد استدارت نحوي محملقة بي بنظرة اشمئزاز واحتقار:
- عليك الإسراع، قبل فوات الأوان، بمعالجة الموقف!
وحينما وجدتني أتلجلج بطريقة خرقاء وأنا أنهض، محاولاً إفهامها أنها تسرعت في حكمها عليّ، وأن الأمر ليس كما تتوهم، أخرستني بإشارة حاسمة من يدها نحو الباب مشفوعة بكلمتين:
- مع السلامة!
وعادت تشيّع دنيا بنظرة إشفاق لكونها ضحيّة وغد مثلي لم يمنعني بياض شعري من إغواء شابة مثلها لا تكاد تبلغ نصف عمري!
- ما سبب تحامل الطبيبة عليّ؟!
سألتُ دنيا حال مغادرتنا العيادة، فأجابتني متمتمة:
- لعلها فهمت خطأ أن لك دوراً في ما حصل بعدما أخبرتها أنني غير متزوجة بعقد رسمي، وأنك الشخص الوحيد الذي أأتمنه على سري·
وتقدمتني هابطة درجات السلّم، حتى إذا ما بلغت المنتصف توقفت على حين غرة لتدير وجهها الشاحب نحوي رامقة إياي بنظرة مذعورة من عينيها الكبيرتين الغارقتين وسط كثافة أهدابهما لتنطق بالسؤال الذي كنت أتوقع سماعه منها:
- ما الذي ينبغي عليّ الآن عمله؟!
وانتظرتْ لحظات دون أن تطرف بعينيها ولو مرة واحدة قبل أن تستطرد بنبرة فاجعة:
- وبأي وجه أعود إلى الأسلاف؟!


