رواية عبد الخالق الركابي "ليل علي بابا الحزين"، تنطلق بأحداثها من الاحتلال الأميركي للعراق، متخذة من معاناة بضع شخصيات موضوعا لها: فتواكب تلك الشخصيات وهي تعيش عنف ما حصل وما نتجت عنه من تداعيات توجت بتفجير سامراء الذي تسبب في حصول فتنة طائفية خسر آلاف الأب
أنت هنا
قراءة كتاب ليل علي بابا الحزين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 9
وتتبع التقرير صوراً كبيرة، رفعت في الميادين وعلى مفترق الطرق، لمطلوبين للسلطة تمت تصفيتهم في ذروة احتدام القتال الطائفي، بيد أن صورهم بقيت من بعدهم وقد وشحت بتلك العبارة التي تمنّي السلطات الأمنية من يلقي القبض عليهم أحياء أو موتى بمكافآت سخية، وكانت أكبر تلك المكافآت، وقدرها خمسون ألف دولار أمريكي، مرصودة باسم شاب ملتحٍ اشتهر بلقب الزرقاوي
أطفأت التلفاز وقد حسمت أمري على الذهاب؛ فما رأيته جعلني أدرك عبث الحذر والتحسّب في وضع على هذه الشاكلة قد تنسفك فيه قذيفة هاون طائشة وأنت نائم في سريرك!
صباح اليوم التالي بكرّت في الذهاب إلى شارع المتنبي، سعياً مني لإيقاف سيارتي في أقرب موضع من المقهى، مستبقاً بذلك تقاطر السيارات التي سيضيق بها الشارع المحاذي للقشلة·
كان الوقت لا يزال مبكراً للجلوس في المقهى؛ فأزجيت أكثر من ساعة، كدأبي في كل مرة، في التجوال مستعيداً ذكرياتي عن هذا الشارع الأثير إلى نفسي حينما كنت على موعد أسبوعي معه، أتفقّد خلاله ليس أصحاب المكتبات وباعة كتب الأرصفة فحسب، بل حتى المتسولين والمجانين والحمالين وفي مقدمتهم عصفور بطبيعة الحال؛ فقد كان اسماً على مسمى: محض هيكل عظمي يبدو وكأنه خرج، بتلك الهيئة، من تحت ريشة أحد رسامي الكاريكاتير المولعين بجمع التناقضات كلها في شخص واحد: عينان جاحظتان حولاوان في وجه ضامر بوجنتين ناتئتين، وساعدان نحيلان ينتهيان بقبضتين ضخمتين، وساقان مقوستان معروقتان تستندان إلى قدمين مفلطحتين عاريتين صيفاً وشتاء، في وسعهما الصمود تحت أثقل الأوزان؛ فما أكثر ما تنبهت من شرودي على صوت مجهد يهيب بالسابلة إفساح الطريق، وحين التفت إلى مصدر الصوت أجفل على منظر كتلة هائلة بعلو سيارة حمل تمخر متخطية إياي لتشق سبيلها وسط الحشود، تلوح من تحتها ساقا عصفور المقوستان الهزيلتان وهما تدبان بهمة ونشاط!
وكان ثمة متسول عجوز يتجول على نقر عصا لم يكن يتورع عن أن ينال بها أقرب الناس إليه بضربات عشوائية، مرسلاً من حوله الشتائم واللعنات عوضاً عن كلمات الاستعطاف والدعاء المعهودة!
وتذكرت بائع شاي كان ينصب عدته، قبل الاحتلال، في جانب من الشارع· وكان قد أصبح مصدر تفكّه أصحاب المكتبات؛ إذ شاء سوء حظه أن يحمل اسم رئيس الجمهورية نفسه؛ فكان زبائنه يستثمرون أدنى هفوة تصدر منه - كأن يكون شايه لم يعد بشكل جيد أو ينقصه السكر - فينفثون عما في صدورهم بأن ينهالوا عليه باللعنات والشتائم مقترنة بذكر اسمه بطبيعة الحال، في حين كانوا يكنونه باسم ابنه البكر حينما كانوا يستحسنون شايه، فكان الرجل يجابههم، في الحالتين، بابتسامة متسامحة·


