"اساتذة الوهم"، رواية للروائي العراقي المقيم في بروكسل علي بدر، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ تكشف هذه الرواية عن صفحة مخفية من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في بغداد الثمانينات، المقاهي الادبية، التجمعات الشعرية، الحياة المدنية تحت الحر
أنت هنا
قراءة كتاب أساتذة الوهم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 3
رسالة غير متوقعة
كانت رسالة ليلى السماك- الرسالة التي ذكرتني بتلك الأعوام المنسية من حياتي- غير متوقعة أبداً·
لقد تسلمتها باضطراب وتوتّر كبيرين في ظهيرة يومٍ تشرينيٍّ مشمسٍ من العام 2003، وأنا في مقهى على البحر في بيروت، بينما كانت هذه الرسالة مرسلة لي أصلاً على عنوان أهلي في بغداد، فعمدت والدتي لإرسالها خلفي على عنوان ناشري في بيروت، ولأنّي كنت أغير إقامتي تلك الأعوام كل شهر أو شهرين تقريباً فقد فاتتني الرسالة على الأقل عاماً كاملاً·
كانت الرسالة مرسلةً من روسيا، وقد لحظت ذلك من الطابع الملصق على المظروف قبل أن أقرأ العنوان، وهو رسم تخطيطي باللون الأزرق الفاتح للشاعر الروسي المعروف مايكوفسكي·
قرأتُ الرسالة بسرعة· كانت مكتوبة بلغة بسيطة، وبطريقة منظمة، ذلك أنها مقسمة على شكل فقرات، قالت ليلى في ثاني فقرة منها إنها التحقت هذا العام ببرنامج الدكتوراه في جامعة بطرسبورغ، وستكون أطروحتها عن شعراء روس ماتوا مجهولين في السجون أو في معسكرات الاعتقال تحت الحكم الستاليني (قلت في نفسي هل اختيار طابع هذه الرسالة، صورة تخطيطية للشاعر مايكوفسكي، أمر مقصود منها)·
ثم تحدثت عن الشطر الخاص بحياتها الشخصية بعد سفرها من العراق، وإن كان بشكل حميمي، إلا أنه بشكل مقتضب جداً، أي عن ظروف سفرها إلى روسيا، ومصير والدها المتروك منذ سنين في بغداد، وافتراقها عن والدتها الروسية التي رحلت إلى مدينة أخرى· كانت تقدم لي معلومات خبرية دون تفصيل أو إيضاحات· أما في الفقرة الرئيسية من الرسالة فقد أسهبت ليلى في الحديث عن أطروحتها التي تكتبها، وفضلاً عن الشعراء الروس الذين قتلوا أو ماتوا في معسكرات الاعتقال تحت الحكم الستاليني، هنالك الشعراء الذين عاشوا فترة الحرب العالمية الثانية-أو الذين قتلوا خلالها-أو استمروا في العيش تحت عقابيل سنوات ما بعد الحرب، وهي أحداث قاسية استمرت حتى وفاة ستالين، وقد أسمتهم بالشعراء الذين عاشوا فظائع الحرب وخسائر التاريخ·
وقالت في رسالتها إنها تريد أن تصنع نوعاً من المقارنة، أو على الأقل نوعاً من المقاربة تجمع شعراء عراقيين عاشوا أعوام الثمانينات في العراق، أي أعوام الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام، والشعراء الذين ماتوا أو قتلوا في ظل حكم صدام حسين ولم ينشروا شيئاً من شعرهم، مع هؤلاء الشعراء الروس المجهولين الذين عاشوا في حقبة مشابهة، ذلك أنها ترى تشابهاً كبيراً في المرحلتين·
قلت في نفسي وأنا أقرأ الرسالة: ربما! ولكن أين ستجد وجه التشابه، كيف تحدده أقصد، كيف تقدّمه؟ هذا هو السؤال·
ثم كتبت في نهاية الرسالة، أي في ذيلها، ملاحظة صغيرة، (وهذا هو أهم ما في الرسالة بطبيعة الأمر)، قالت إنها تريد مني مساعدتها في ذلك، وقد اختصرت طلبها مني بكتابة- فيما إذا كان لديّ الوقت الكافي-بعض التفاصيل والمعلومات عن تلك المرحلة المهمّة من حياتي، وقد حدّدت بالأخصّ الكتابة عن حياة عيسى الذي أعدم في العام 1987 (كانت تعرفه جيداً)، وحياتي أيضاً، ثم طلبت مني، وهذا هو الغريب في الأمر، أن أكتب لها بشيء من التفصيل، أو على الأقل أن أقدّم لها تفاصيل ومعلومات عن حياة شقيقها منير، والذي قتل في آخر شهر من الحرب العراقية الإيرانية، أي في آب من العام 1988، وقد علّلت ذلك بسبب معقول، هي أنها تعرف أشياء شخصية كثيرة عنه (وهو أ مر طبيعي لشقيقين عاشا في منزل واحد في بغداد) ولكنها لا تعرف الكثير عن حياته كشاعر، عن كتابته، عن هواجسه، عن أفكاره، عن شعره بالأحرى، وعن جميع الأشياء الأخرى التي من الممكن أن أكون قد وقفت عليها بحكم صداقتنا، واهتماماتنا المشتركة·
في الواقع هذا هو كل ما ورد في الرسالة غير المتوقعة والمختصرة جداً من ليلى السماك، شقيقة منير، أكثر أصدقائي حميمية في الثمانينات، ومع أن الرسالة جاءت بعد حوالي عشرة أعوام من آخر لقاء لي معها في بغداد، إلا أنها لم تكن مفاجأة حقيقية لي، ولكني أعترف أنها لم تكن متوقعة أيضاً من حيث ما ورد فيها من معلومات· فقد التقيت ليلى آخر مرة في العام 1993 في ضحى يوم ربيعي في الكرادة، وكانت برفقة والدتها الروسية تتجولان في سوق الخضار في ارخيته، وعلى صوت الباعة وروائح الفواكه وجدت نفسي فجأة أمامهما، وكانتا أمام بقّال يبيع أنواعاً متعددة من الفواكه والخضار، فسلّمت عليهما، فهجمتا عليّ كلاهما وعانقتاني بحرارة، ومع أن ليلى لم تتغير كثيراً، إلا أن والدتها فاجأتني بشيخوختها المبكرة، فقد ابيض شعرها تماماً، وضعف بصرها، فارتدت نظارة طبية سميكة· لقد فاجأني منظرها؛ إذ أصبحت امرأة ذابلة مع أنها كانت جميلة جمالاً لا يضاهى فيما مضى·


