"اساتذة الوهم"، رواية للروائي العراقي المقيم في بروكسل علي بدر، صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر؛ تكشف هذه الرواية عن صفحة مخفية من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في بغداد الثمانينات، المقاهي الادبية، التجمعات الشعرية، الحياة المدنية تحت الحر
أنت هنا
قراءة كتاب أساتذة الوهم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 9
في الحيدرخانة كان اجتماعهم، وفي شارع لا يعدّ ساكنوه من بين أفضل الناس سمعةً· يقع في طرف المحلة، لا شيء بعده سوى السوق الفوضوي يوم الجمعة، والمقبرة شبه المهجورة، وبرج البارود القديم منذ أيام الدولة العثمانية وقد تحول إلى خان رخيص للجنود المارين، وللنزلاء العابرين· التقيت هناك بعيسى واثنين معه من الجنود الفرارية أو الهاربين من الحرب، كنا نتناقش بصوت منخفض على صوت أهل المحلة وعمالها بصديرياتهم الوسخة، وأصواتهم العالية، ووجوههم المكفهّرة، بينما عربات السحب التي تبيع كل شيء تثير غباراً خانقاً في الشارع·
هنالك تقف النسوة الذابلات وبناتهنّ عند عتبات الأبنية، وأطفالهنّ يلعبون عراةً تحت أشجار هزيلة، حيث صبغ التراب وجوههم ورؤوسهم الشيطانية الصغيرة· أما المكان الذي اجتمعنا فيه فهو فندق فقير يديره عامل مصري، جدرانه بلون أخضر قذر، وفيه فسحة لعمال مصريين ومحليين من مختلف أرجاء البلاد يقضون فيه يوماً أو يومين، وهنالك الأرضية المغطاة بكاربت خشن لم يستبدل منذ الشتاء·
أما المجموعة كلّها فتتكون من عشرة أشخاص-من دون عيسى- ولكني لم أتعرّف- وجهاً إلى وجه- إلا على القليل منهم، أربعة أو خمسة ربما، ومن غير الأساسيين، أي من غير الذين لعبوا دوراً بارزاً في المجموعة، ولكن هناك الكثير ممن ادعى أنه منهم، ولم يكن منهم، ذلك أن عدد المجموعة وأسماءهم غير مؤكدة حتى الآن، ولا أحد يعرف الحقيقة مطلقاً، طالما قد تم إعدامهم جميعاً·
أما عيسى فأظن أنه كان أرهفهم موهبةً وأغزرهم إنتاجاً، ولكن آخر ما كان يحلم به عيسى هو أن يتهم اتهاماً سياسياً· الغريب في الأمر أن حكم الإعدام قد صدر ضدّهم وتمّ إعدامهم بتهمة الهروب من الجيش أثناء الحرب، إلاّ عيسى، الذي تمّكن من الهرب قبل القبض عليه، وبقي ثلاثة أشهر طليقاً، وأخذ يتخفى بصور وطرق مختلفة، ولكنه سلّم نفسه فيما بعد، أثناء العفو العام عن الفرارية أو الهاربين من الجيش، والذي صدر في ديسمبر من العام 1987، إلا أنّه اتهم بتأسيس تجمّع سياسي محظور، وحكم عليه بالإعدام، وتمّ إعدامه بعد أسبوع واحد فقط من تاريخ القبض عليه·
الحديث عن الجماعتين مهم جداً، فإن عرّفني عيسى إلى جماعة بهيّة-ولم أكنْ منهم-فأنا الذي عرفته إلى جماعة شعراء الساعة الخامسة، ولم أكن منهم، ولكن منير هو الذي عرّفني إليهم أقصد جماعة الساعة الخامسة، وقد تجمّعوا وقتها حول شخصية الشاعر الدكتور إبراهيم، (غير أن عيسى كان قد قرأ ديوان الدكتور إبراهيم دون أن يتمكن من التعرف عليه قبل أن أقدمه أنا له)·
والجماعتان قد انتهتا نهاية مأساوية، وربّما أنا الوحيد الذي نجوت من الموت في العام 1987، العام الذي قتل فيه جميع أصدقائي الشعراء·


